من أسرار الحج

من أسرار الحج

 

دكتور /رضا عبد المنعم عبد المعبود الخربتاوي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين  وظل طوال أيامه ولياليه يمشى على شوك الأسى وجمر الكيد والعنت يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين حتى علم الجاهل وقوم المعوج وطمأن القلق وأمن  الخائف ونشر أضواء الحق والنور والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته ولا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله وتسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا

يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون

يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما

يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون

أما بعد

حياكم الله جميعا أيها الإخوة الفضلاء وأيها الآباء الأعزاء وطبتم وطاب سعيكم وممشاكم وتبوأتم جميعا من الجنة منزلا وأسأل الله الحليم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ومستقر رحمته كما جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته ونسأله سبحانه أن يشرح صدورنا وأن ينفس كروبنا  وأن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن يذهب همومنا  وألا يدع لأحد منا ذنبا إلا غفره ولا هما إلا فرجه ولادينا إلا قضاه ولا مبتلا إلا عافاه ولا مريضا إلا شفاه ولا عاصيا إلا هداه ولا طائعا إلا زاده وثبته وقواه ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضاها ويسرها إنه ولى ذلك والقادر عليه ونسأله سبحانه أن يهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال  فإنه لا يهدى لأحسنها إلا هو وأن يصرف عنا سيئها فلا يصرف عنا سيئها إلا هو

ثم أما بعد

فالمتأمل في عبادات الحج ومناسكه يجد أن لها معني وحكم وأسرار من وقف عليها صفا قلبه وزكت نفسه وسمت روحه

ويبدأ الحج بإعداد الزاد

لرحلة الحج ولابد أن يكون من مال حال لأن من حج بمال حرام فمثله كمن اغتسل بماء نجس فمهما اغتسل لا يطهر فكذلك الذي يحج بمال فيه حرام  أو شبهة حرام فكأنه ما حج لأن الله طيب ولا يقبل إلا طيب وعندما يعد المسلم زاده لرحلة الحج فهذا يذكره بإعداد الزاد ليوم التناد فكما نعد الزاد لسفر الدنيا وجب أن نعد الزاد لسفر الآخرة فهو أولى وأحق بإعداد الزاد لذلك نبهنا الله لهذا الأمر فقال وتزودوا أي للحج فإن خير الزاد التقى أي للآخرة

فتزود من الدنيا بزاد من التقى       فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر

فكم من عروس زينوها لزوجها     فما أتى عليها الليل إلا في ظلمة القبر

وكم من فتى أصبح وأمسى ضاحكا    وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري

وكم من صغار يرتجى طول عمرهم     وقد أدخلت أجسادهم ظلمة القبر

فالموت  أقرب لأحدنا من شراك نعله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم

فالشاهد أن إعداد الزاد لرحلة الحج يذكر بإعداد الزاد ليوم التناد فكما نعد الزاد لسفر الدنيا فأولى وأحرى أن نعد الزاد لسفر الآخرة وزاد الآخرة التقوى والعمل الصالح

وبعد إعداد الزاد لبس الإحرام

وهو يذكرنا بلبس الكفن لأن الإحرام عبارة عن قطعتين من القماش يلفهما المحرم حول بدنه فهذا يذكره بأنه سيأتي يوم يغسله  أهله ويلبسوه الكفن فهذه الدنيا التي ظل يجمع فيها طيلة حياته لن يأخذ منها إلا هذه القماشة

فخذ القناعة من دنياك وارضى بها              ولو لم يكن لك إلا راحة البدن

وانظر لمن ملك الدنيا بأسرها                   هل راح منها بغير الطيب والكفن

فللو ذهبنا إلى المقابر لوجدنا أشخاصا كانوا يملكون حيازات أراضي وعقود أملاك وأرصدة في البنوك وشركات وعقارات وسيارات وماتوا ولم يأخذوا من كل ما جمعوه إلا هذه القماشة فعلام البغضاء وعلام الكراهية وعلام الصراع وعلام قطيعة الرحم وعلام التفريط في طاعة الله وتضييع الصلوات من أجل جمع المال وأنت ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت وفي لفظ فأبقيت فهذا هو مالك الذي تصدقت به وبذلته في وجوه الخير وما تركته فليس مالك ولكنه مال الورثة كما قال النبي أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه قالوا يا رسول الله كلنا مالنا أحب إليه من مال وارثه قال فإن مالك الذي قدمت ومال وارثك الذي أخرت

فلبس الإحرام يذكرنا بحقيقة الدنيا وأن الإنسان لن يأخذ منها إلا الكفن فهذا يحمله على أن يتركها قبل أن تتركه ويعمر قبره قبل أن يسكنه ويرضي ربه قبل أن يلقاه وهذا يحمل المسلم على الزهد في الدنيا وليس  معنى الزهد أن تترك زينة الدنيا وتلبس الخشن من الثياب وتأكل الخشن من الطعام ليس هذا هو الزهد وإنما الزهد ألا تفرح إذا زادت ولا تحزن إذا نقصت فهذا هو الزهد فلقد سئل الإمام أحمد فقيل له فلان يملك ألف دينار هل هذا زاهد فقال نعم بشرط ألا يفرح إذا زادت ولا يحزن إذا نقصت

ولقد ضرب لنا النبي أروع المثل في الزهد في حجة الوداع حينما حج على رحل رث وعلى قطيفة لا تساوى أربعة دراهم وقال اللهم حجة مبرورة لا رياء فيها ولا سمعة

فلبس الإحرام يذكر بحقيقة الدنيا ويحمل المسلم على الزهد فيها ويذكره بخلق جليل وهو خلق التواضع فالإنسان قبل أن يلبس الإحرام كان يتزين بزينة الدنيا من ثياب ومراكب ومناصب فحملته هذه الزينة على أن يتفاخر ويتباهى فجاء اليوم الذي يتجرد فيه من زينة الدنيا ويتواضع لربه ويخشع ويخضع ويذل بين يديه ويتذكر أننا جميعا سواسية بين يدي الله فلا فضل لعربي على عجمي ولا لأبيض على أسود ولا لغني على فقير ولا لوزير على غفير إلا بالتقوى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم )

ثم الإحرام من الميقات

وهو المكان الذي حدده النبي لأهل كل بلد ولا يجوز تجاوزه إلا بعد لبس الإحرام وأن من تجاوزه بلا إحرام وجب عليه الرجوع وإذا لم يتيسر له الرجوع كان عليه دم وهى ذبح شاة يطعمها لفقراء الحرم فإذا وصل مريد الحج أو العمرة إلى الميقات يحرم ويصبح محظورا عليه بعض الأشياء منها حلق الشعر وقص الأظافر وإتيان الزوجة ووضع الطيب ولبس المخيط وتنفير الصيد وقتله والإعانة عليه كل هذا أصبح محظورا على المحرم أن يفعله وهي أيام قليلة وبعدها يحل من إحرامه ويصبح كل ما كان محظورا عليه يصبح حلالا له وهذا يذكرنا بأننا في الدنيا محرمون عن الأشياء التي نهانا الله عنها وعن الحدود التي حدها الله لنا وهى أيام قليلة وبعدها تدخل الجنة وتتمتع فيها بكل ماكنت محروما منه ويقال لك كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية  أنت في الدنيا كنت محرما بعينك فلم تنظر إلى المحرمات وكنت محرما بأذنك فلم تسمع المحرمات وكنت محرما بلسانك فلم تتكلم ما يغضب رب الأرض والسماوات فالآن لك أن تتمتع بما أعده الله لك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر

لكن من عاش في الدنيا حلال متمتعا بكل ما حرمه الله فأطلق العنان لبصره وأطلق العنان لسمعه وأطلق العنان للسانه وأطلق العنان لفرجه وعاش في الدنيا طولا وعرضا فهذا يقال له (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون )

ثم إذا وصل المحرم إلى مكة

فينبغي أن يستحضر في ذهنه مكانتها وكرامتها فهي مهبط وحي الله وقبلة الدنيا وفيها ولد الحبيب وفيها خير ماء على وجه الأرض وهو ماء زمزم وفيها الحجر الأسود وهو من الجنة ومما يدل على كرامتها ومكانتها أن الله حرم صيدها وحرم حمل السلاح فيها وحرم قطع شجرها ولا يجتمع فيها دين غير الإسلام ولا يدخلها غير المسلمين وهي محرمة على المسيح الدجال

فإذا دخل المحرم بيت الله الحرام تذكر قوله تعالى (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) فمجرد الهم بالمعصية يوجب الهلاك والعذاب فما بالك بالمعصية نفسها ولاشك أن الحرم بسبب ما فيه من اختلاط وكشف النساء لوجوههن فهذا يترتب عليه أن كثيرا من الناس يطلق العنان لعينه فينظر إلى النساء وتصل وقاحة بعض الناس إلى  أن يتحرشوا بالنساء فليحذروا قول رب الأرض والسماء ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم فمجرد الهم بالمعصية يوجب الهلاك فما بالك بالمعصية نفسها أرسل عمر بن الخطاب رسالة إلى أهل مكة يحذرهم عقاب الله فيقول لهم يا أهل مكة لقد كان يسكنها قبلكم بنو فلان فعصوا الله فأهلكهم وبنوا فلان فعصوا الله فأهلكهم فاحذروا أن تخالفوا أمر الله فيحل بكم ماحل بهم

ثم يبدأ الطواف بالبيت

وفي الطواف بالبيت لابد أن يكون البيت على يسارك وتطوف عكس عقارب الساعة كأنك ترجع للوراء لا تسير للأمام حتى تتذكر ما كان عليه النبي وأصحابه فتقتدي بهم وحتى تتذكر ما بذله النبي وأصحابه من جهد ومال ودم من أجل أن يصل إلينا الدين فأنت تطوف وتنظر حولك في الحرم في هذا المكان جاء خباب يقول يا رسول الله ألا تدعوا الله لنا ألا تستنصر لنا

وفي هذا المكان عذب بلال وفي ذاك عذب عمار وآل ياسر فتعود بذكرياتك لهؤلاء وأيضا الطواف عكس عقارب الساعة  أي للوراء يذكرك بذنوبك السوالف ويحملك على التوبة منها وتجديد العهد مع الله والعزم على عدم العودة إليها

وأنت تطوف استشعر أنك تطوف حول عرش الرحمن ترجوا رحمته وتخاف عقابه وترجو رضاه واستشعر أن فوقك مباشرة ملائكة يطوفون بالبيت المعمور فاستشعر أنك تتشبه بهم فمن تشبه بقوم فهو منهم وتذكر أن الكون كله في طواف لله لأن الكون عبارة عن ذرات وكل ذرة عبارة عن إلكترونات تدور حول نواتها فأنت حينما تطوف فأنت تنسجم مع هذا الكون الذي هو في تسبيح دائم وطواف دائم مستمر

وفي الأشواط الثلاثة الأولى تسرع الخطا كأنك هارب من ذنوبك وفي الأشواط الأربعة الباقية كأنك امتلأت رجاءا في أن الله عفا عنك وغفر لك

ومن السنة في الطواف أن تستلم الحجر الأسود في كل شوط سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يستلم الحجر في كل شوط ويقبله فمن لم يستطع أن يقبل الحجر الأسود ويستلمه يكتفي بأن يشير إليه باليد أو بالعصا ويقبل اليد أو  أو العصا ولنعلم جميعا أن عدم إيذاء الناس واجب وتقبيل الحجر سنة فيجب أن نقدم السنة على الواجب قالت مولاة لعائشة لقد طفت بالبيت سبعا وقبلت الحجر مرتين فقالت لها عائشة لا آجرك الله تزاحمين الرجال هلا اكتفيت بالتكبير ومررتي

وحينما تستلم الحجر وتقبله أو تشير إليه فهذا يذكرك بالجنة ونسائم الجنة لأن الحجر الأسود من الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم نزل الحجر الأسود من الجنة أبيض من اللبن فسودته خطايا بني آدم فإذا كانت الذنوب سودت حجرا أصم فماذا تصنع في قلب من لحم ودم لاشك أنها تسود قلب العاصي بل تسود حياته كلها وتعسر أموره وتجعله يعيش في ضنك وشقاء كما قال رب الأرض والسماء ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى

وبعد الفراغ من الطواف واستلام الحجر الأسود الصلاة خلف مقام إبراهيم ركعتين يقرأ في الأولى بالكافرون ويقرأ في الثانية بالإخلاص ومقام إبراهيم كما هو معلوم هو الحجر الذي وقف عليه الخليل حتى يعلى البناء فكأن الله كرمه بأن أمر بالصلاة خلفه ركعتين ردا للجميل الذي صنعه وتكريما له على مساعدته في بناء البيت فإذا كان الله أكرم حجرا لأنه ساعد في بناء البيت فمن باب أولى أن يكرم من جاء حاجا ومعتمرا وتاركا لوطنه وأهله وماله وملبيا نداء ربه

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد ألا إله إلا الله تعظيما لشانه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وخلانه

أما بعد

 

ثم بعد الصلاة خلف المقام (الشرب من ماء زمزم )

وكما هو معلوم  أن ماء زمزم ماء طاهر مبارك يكفيه طهارة أن الله غسل به قلب نبيه في صغره عندما حدثت له حادثة شق الصدر وفي كبره في رحلة الإسراء والمعراج

وماء زمزم كان غوثا لهاجر وابنها وهو كذلك غوثا لكل من يشربه إلى  يوم القيامة فمن شربه بنية الشفاء شفاه الله ومن شربه بنية العلم علمه الله قال الشافعي شربنا زمزم للعلم فعلمنا الله وليتنا شربناه للتقوى حتى نتقي الله ولاشك أن هذا تواضع من الشافعي رحمه الله

وقال عبد الله بن المبارك اللهم إن جابر بن عبد الله حدثنا عن نبيك صلى الله عليه وسلم أنه قال ماء زمزم لما شرب له فاللهم إني أشربه لعطش يوم القيامة

ثم السعي بين الصفا والمروة

وهذا الركن يذكرنا بتاريخنا المجيد يوم أن وضع الخليل زوجته هاجر وابنه إسماعيل عند البيت الحرام وكان في ذلك الوقت صحراء جرداء لا زرع ولا ماء ولا أنيس ولا جليس ثم انصرف فقالت له هاجر يا إبراهيم لمن تتركنا فسكت الخليل فقالت هاجر آلله أمرك بهذا فأومأ برأسه أي نعم فقالت إذا لن يضيعنا فعلمت الدنيا كلها اليقين والثقة في وعد رب العالمين ومع يقينها الكامل إلا أنها لم تتوانى عن الأخذ بالأسباب حتى تعلمنا المفهوم الحقيقي للتوكل وهو صدق اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب فلما نفد ما معها من طعام وشراب راحت تبحث عن الماء هنا وهناك وهنالك فبدأت تسعى بين الصفا والمروة وكل مرة تقول لعلى أجده في المرة  الثانية لعلى أجده في المرة  الثالثة وهكذا حتى سعت سبع مرات بين الصفا والمروة ثم نبع الماء من تحت قدم إسماعيل ولم ينبع من تحت قدمها هي على الرغم من أنها هي التي أخذت بالأسباب  حتى نعلم أن الأسباب ليست هي التي تنجي وليست هي التي تقضي الحاجات إنما الذي يقضي الحاجات هو رب الأرض والسماوات فنبع الماء من تحت قدم إسماعيل على الرغم من أن هاجر هي التي أخذت بالأسباب وسعت هنا وهناك وهنالك وذلك حتى لا نعتقد في الأسباب وإنما نعتقد في مسبب الأسباب جل جلاله

ثم الحلق

ويفعله المتمتع بعد السعي بين الصفا والمروة ويؤخره القارن والمفرد إلى يوم الحج الأكبر بعد أن يرمي الجمرات ويذبح هديه بعدها يحلق رأسه لكن المتمتع بالعمرة إلى الحج بعد فراغه من الطواف يحلق رأسه ويتمتع بالحياة حتى يأتي يوم الثامن من ذي الحجة ويحرم بالحج مرة ثانية

والحلق معناه أنك تتخلص من كل شيء عصيت فيه ربك ومعناه أنك تتجرد من زينة الدنيا ومن المادة لأن رحلتك رحلة روح وليس رحلة بدن وحينما تطأطئ رأسك للحلاق استشعر أنك تطأطئ رأسك لربك معبرا له عن طاعتك فيما أمر وانتهاءك عن كل ما نهى عنه وزجر

ثم يوم عرفة وما أدراك ما يوم عرفة

إنه اليوم الذي يتجلى فيه الملك لحجاج بيته ويباهي بهم الملائكة ويقول انظروا لعبادي أتوني شعثا غبرا ضاحين أشهدكم أني قد غفرت لهم فما رؤى الشيطان في يوم أغيظ ولا أحقر ولا أذل منه في هذا اليوم لما يرى من رحمات الله التي تنزل على عباده في هذا اليوم

وفي هذا اليوم يعتق الله خلقا كثيرين من النار ويغفر الله لمن صامه إيمانا واحتسابا سنة ماضية وسنة قادمة

كان من هدي نبينا في هذا اليوم أنه كان يستغل كل لحظة من لحظاته في الدعاء والتضرع والخشوع والخضوع ومما يدل على حرص النبي على كل لحظة من لحظات هذا اليوم أنه صلى الله عليه وسلم لما سقط خطام ناقته تناوله بيده اليسرى وظل رافعا يده اليمنى يدعو حتى لا تضيع لحظة من لحظات هذا اليوم

ومما يدل على حرص النبي على اغتنام ساعات ودقائق هذا اليوم أنه لم ينشغل بطعام ولا شراب لدرجة أن الصحابة ظنوا أنه صائم فأرسلوا إليه بكوب من اللبن فشربه صلى الله عليه وسلم فعلموا أنه ليس صائما وإنما لم يشرع النبي لمن يؤدي مناسك الحج صيام يوم عرفة حتى يتقوى بالفطر على الدعاء والتضرع والخشوع لكن شرع النبي صيامه لمن لم يكن محرما وظل النبي واقفا في أرض عرفات حتى مضى جزء من الليل ثم انطلق إلى مزدلفة فصلى فيها المغرب والعشاء جمعا ثم نام النبي واستيقظ لصلاة الفجر ثم انطلق إلى منى لأداء أعمال يوم النحر يوم الحج الأكبر وأولها رمي الجمرات

ورمي الجمرات معناها أنك ترمي شهواتك وأهواءك وعدوك الشيطان الذي أوقعك في الذنوب والعصيان ونظرا لأن المقام مقام عبودية وإظهار العداء لعدوك وعدو ربك لذلك فهذا موطن يستجيب الله فيه الدعاء فكان من سنة سيد الأنبياء أنه كان يدعو ويطيل الدعاء ومن السنة أن تكون الجمرات في اليوم الأول سبعا ثم الثاني إحدى وعشرون ثم الثالث  إحدى وعشرون ثم الرابع إحدى وعشرون ولو جمعنا العدد لوجدناه سبعون جمرة وهى عدد شعب الإيمان كأنك تقول للشيطان أنت تقعد لي في كل طريق لذلك أنا سأعلن لك عدائي وأرميك بعدد الطرق التي تقعد لي فيها أنت تمنعني من كل شعبة من شعاب الإيمان لذلك أنا سأرميك بعدد شعب الإيمان

ثم ذبح الهدي

ومعناه أنك تقول لربك أنا مستحق أن أقدم لك نفسي فداء بسبب ذنوبي وعصياني لكني سأفدي نفسي منك بهذا الفداء أو بهذه الأضحية فنرجو أن يعتق الله بكل عضو منها عضوا منك من النار

ثم بعدها يمكث الحجيج في منى أيام التشريق الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر يأكلون ويشربون ويذكرون الله ولم يشرع لهم الصيام في هذه الأيام لأنهم في ضيافة الرحمن أمرهم بذبح الهدي ثم قدم لهم الضيافة من الهدي الذي ذبحوه ولأنهم بذلوا من الجهد والمشقة والعناء في رحلة الحج فآن الأوان أن ترتاح أبدانهم وأمر الله عزوجل بالإكثار من الذكر في هذه الأيام لأن الناس في الجاهلية كان من عادتهم بعد الفراغ من المناسك أنهم كانوا يجلسون يفتخرون بآبائهم فيظل الواحد منهم يعدد مناقب أبيه فيقول كان أبي وذهب أبي وجاء أبي وفعل أبي وقال أبي فأمرهم الله بدلا من ذلك أن يكثروا من ذكر الله كما كانوا يكثرون من ذكر آباءهم فقال تعالى (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا )

نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحينه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب

اللهم اجعل جمعنا هذا مرحوما وتفرقنا من بعده معصوما ولا تجعل فينا ولا منا ولا بيننا شقيا ولا محروما

لاتدع لأحد منا ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولادينا إلا قضيته ولا طالب علم إلا نجحته ووفقته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها وسهلتها ويسرتها يارب العالمين

اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا رب ارحمهما كما ربيانا صغارا

وارحم موتانا وموتى المسلمين وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه

اللهم ارزقنا القناعة وحببنا فغي صلاة الجماعة وذكرنا بالموت كل ساعة واحشرنا مع النبي صاحب الشفاعة

اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك الأمين ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه نبيك الأمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ([1])

 

[1] )المصادر

1-أسرار مناسك الحج والعمرة للشيخ خالد أبو شادي

2-حج بقلبك للشيخ حازم شومان

3-38  فضيلة من فضائل الحج للشيخ سليمان بن أحمد العمار

 

 

 

CATEGORIES
TAGS
Share This