
ثمرات الأمانة ومجالاتها
دكتور /رضا عبد المنعم عبد المعبود الخربتاوي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين وظل طوال أيامه ولياليه يمشى على شوك الأسى وجمر الكيد والعنت يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين حتى علم الجاهل وقوم المعوج وطمأن القلق وأمن الخائف ونشر أضواء الحق والنور والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته ولا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله وتسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون
أما بعد
حياكم الله جميعا أيها الإخوة الفضلاء وأيها الآباء الأعزاء وطبتم وطاب سعيكم وممشاكم وتبوأتم جميعا من الجنة منزلا وأسأل الله الحليم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ومستقر رحمته كما جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته ونسأله سبحانه أن يشرح صدورنا وأن ينفس كروبنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن يذهب همومنا وألا يدع لأحد منا ذنبا إلا غفره ولا هما إلا فرجه ولادينا إلا قضاه ولا مبتلا إلا عافاه ولا مريضا إلا شفاه ولا عاصيا إلا هداه ولا طائعا إلا زاده وثبته وقواه ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضاها ويسرها إنه ولى ذلك والقادر عليه ونسأله سبحانه أن يهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال فإنه لا يهدى لأحسنها إلا هو وأن يصرف عنا سيئها فلا يصرف عنا سيئها إلا هو
ثم أما بعد
يقول الحق تبارك وتعالى في كتابه الكريم :(إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا )
إننا في حاجة للحديث عن الأمانة لأننا في زمان ضاعت فيه الأمانة وقل فيه الأمناء وأصبح الأمين وسط الناس كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود
إننا في حاجة للحديث عن الأمانة لأن الأمانة سبب لحفظ الدماء والأموال والأعراض فإذا تخلق الناس بخلق الأمانة لم يعتدي أحد على عرض أحد ولم يعتدي أحد على دم أحد
إننا في حاجة للحديث عن الأمانة لأننا أصبحنا في زمان ترى فيه الرجل
الرجلَ قد عَلاهُ الغمُّ، وأنَقَضَ ظهرَه الهمُّ، قد طَأْطَأَ رأسَه، وتلعثمَ لسانُه، يطلبُ قَرْضاً ليُفرِّجَ عن نفسِه الكُربةَ الشديدةَ، ويعيشَ حياةً سعيدةً، فتتذكرَ حديثَ: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيا نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيامَة”. فتُعطِيه ما يَردُّ البسمةَ إلى وجهِه، ويُعيدُ الفرحةَ إلى أهلِه، ثُمَّ بعد ذلك ينسى لك ما فاتَ، ولا يُجيبُ على الاتصالاتِ، ولا تنفعُ الشفاعاتُ، وينسى أنه: “يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلاَّ الدَّيْنَ”.
نحن في حاجة للحديث عن الأمانة لأننا أصبحنا في زمان ترى فيه الموظفَ قد تساهلَ في عملِه، وفَرَّطَ في وظيفتِه، وعَطَّلَ مصالحَ المسلمينَ، وكأنَه لم يسمعْ دعاءَ نبيِ الرحمةِ، على من شقَّ على أبناءِ الأُمَّةِ: “اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِى شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ”. بل ويتجاوزُ هذا إلى تعقيدِ الأمورِ، واختلاقِ الأعذارِ لتأخيرِ المعاملاتِ، لينالَ بذلك من متاعِ الدنيا القليلِ، ويُعَرِّضَ نفسَه للطردِ والإبعادِ عن رحمةِ ربِّ العبادِ؛ كما جاءَ في الحديثِ: “لَعَنَ رَسُول اللَّه – صلى الله عليه وسلم – الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ”. نحتاجُ للحديثِ عن الأمانةِ، إذا رأيتَ كثيراً من الناسِ، يلهثونَ خلفَ تحصيلِ المالِ، من حرامٍ كانَ أم من حلالٍ، أكلٌ لأموالِ الناسِ بالباطلِ، سِلعٌ مغشوشةٌ، مساهماتٌ كاذبةٌ، وعِصاباتٌ، يتحكمونَ بالأسهمِ والعقاراتِ، لوحاتٌ على محلاتٍ قد عَشَّشَ فيها العنكبوتُ، أسعار وهميةٌ، كَذِبٌ وخِداعٌ، كأننا في غابةٍ لا يعيشُ فيها إلا السِباعُ، تحايلٌ على النظامِ، ومخالفةٌ لتعاليمِ الإسلامِ.
عندما ترى المِلياراتِ، تُصرفُ في الميزانيات، ثم تُقَلِّبُ بصرَك في الواقعِ المريرِ، فيَنْقَلِبُ إِلَيْكَ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ: فترى المواطنَ لا يجرؤ حتى أن يحلُمَ بمسكنٍ فسيحٍ، ومستشفى مُريحٍ، ومدارسَ متطوَّرةٍ، وطُرُقٍ واسعةٍ. أيُعقلُ أن يتحولَ المطرُ في بلادِنا إلى شِبهِ كارثةٍ؛ تغرقُ فيه الشوارعُ، وتتساقطُ معه الأَسقُفُ، ويظهرُ فيه عُوارُ المشاريعِ السقيمةِ، والصَفقاتِ الأثيمةِ، والنتائجِ الأليمةِ، و واللهِ إن التلاعبَ بأرواحِ البشرِ لجريمةٌ؟. هل مستوى التعليمِ يَصلُ إلى تَّطَلُّعاتِنا؟
أين برامجُ تعزيزِ التربيةِ وتنميةِ الأخلاقِ في مدارسِنا؟ لماذا أصبحنا في المنزلة قبل الأخيرة في التعليم على مستوى العالم رغم كثرة ما ينفق على التعليم من مليارات؟ لماذا طغت الدروس الخصوصية على بيوتنا وأثقلت كواهلنا وطغت على مجتمعاتنا؟
ثمرات الأمانة
إن الأمانة خلق رفيع جليل من يتحلى به يجني ثمرات كثيرة منها
1-الأمانة سببٌ لمحبَّة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: أخرج البيهقي في “شعب الإيمان” عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “مَن سَرَّهُ أن يُحِبَّهُ الله ورسوله فليَصْدُق حَدِيثَهُ إذا حدَّث، وليؤدي أمانَتَه إذا اؤتُمِن” (حسَّنه الألباني في “تحقيق المشكاة”: 4990).
2-الأمانة سبب البركة والنماء: فقد أخرج البخاري ومسلمٌ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “البيِّعان بالخِيار ما لم يتفرَّقا، فإنْ صَدَقَا وبيَّنا بُورِكَ لهما في بيعهما، وإنْ كتَما وكذَبا مُحِقتْ بركةُ بيعهما”.
فإذا ذهبت الأمانة وكانت الخيانة فقد ذهَبت البركة؛ فقد أخرج أبو داود بسندٍ ضعيف أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: “أنا ثالثُ الشريكين ما لم يخنْ أحدهما صاحبَه، فإذا خانَه خرجتُ من بينهما”.
3-الأمانة سبب للرزق والسعادة في الدنيا:
فقد كانت الأمانة سبب في أن يرزق موسى عليه السلام بالزوجة الصالحة والمسكن والمال والعمل عند الرجل الصالح وذلك عندما ورد ماء مدين ووجد الناس يسقون أغنامهم ومن بينهم امرأتين تبتعدان بأغنامهما وينتظران حتى يسقي الناس ويفرغون فيتقدمون فيسقون فتقدم موسى فسقى لهما فقصت المرأتين على أبيهما ما كان من أمر موسى عليه السلام فأرسل الرجل الصالح ابنته تدعوه ليجزيه أباها أجر ما سقى لهما فقال موسى للمرأة سأسير أمامك وتسيرين خلفي فنحن لا ننظر إلى أدبار النساء فإن أردتي أن أتجه يمينا فاقذفي بحصاة تجاه اليمين وإن أردتي أن أتجه يسارا فاقذفي بحصاة نحو اليسار
فسار موسى أمامها ولم يتحدث معها فلم يستغل فرصة أنها وحدها ويسألها ما اسم أباكي وماذا يعمل وأين تسكنون ويفتح حوارا فلم يفعل ذلك موسى ولم يسير وراءها فعلمت المرآة أنه أمين لذلك قالت ياأبتي استأجره إن خير من استأجرت القوى الأمين
فكانت أمانة موسى سبب لزواجه وسبب في أن يعمل عند الرجل الصالح وسبب في حصوله على المسكن والمال والزوجة
فيامن تبحث عن العمل تحلى بالأمانة وستجد الناس يتمنونك أن تعمل عندهم لأنك أمين في زمان قل فيه الأمناء
وكانت الأمانة سبب في أن يعتق العبد الراعي الذي رآه بن عمر في الصحراء يرعى الغنم فعن نافعٍ مولى ابنِ عمر رضي الله عنه قال: “خرج عبد الله بن عمر – رضِي الله عنهما – في بعض نواحي المدينة، ومعه أصحابٌ لهُ، ووضَعُوا السفرة لَهُ، فمَرَّ بهم راعي غنمٍ، فسلَّم، فقال ابن عمر: هَلُمَّ يا راعٍ فأصِبْ من هذه السفرة، فقال له: إنِّي صائم، فقال ابن عمر: أتصومُ في مثل هذا اليوم الحارِّ الشديد سمومُه وأنت في هذه الحال ترعى الغنم؟! فقال: والله إنِّي أبادر أيامي الخالية، فقال لهُ ابن عمر وهو يريد أنْ يختبر ورعه – وأمانته -: فهل لك أنْ تبيعنا شاةً من غنمك هذه فنُعطِيَك ثمنها ونُعطِيَك من لحمِها ما تفطر عليه؟ قال: إنها ليست لي بغنمٍ، إنها غنمُ سيدي، فقال له ابنُ عمر: فما يفعلُ سيدك إذا فقَدَها؟ فولَّى الراعي عنه، وهو يرفعُ أصبعَه إلى السَّماء، وهو يقول: فأين الله؟ قال: فجعل ابن عمر يُردِّدُ قولَ الراعي، يقول: قال الراعي: أين الله؟ قال: فلمَّا قدم المدينة بعَث إلى مولاه، فاشترى منه الغنم والراعي، فأعتَقَ الراعي ووهَبَ له الغنم ” (“أسد الغابة”؛ لابن الأثير (3/ 341).
4-من ثمرات الأمانة أنها سببٌ لحِفظ الأهل والمال في الحياة وبعد الممات: قال الخضرُ لموسى عليه السلام مُبيِّنًا سبب بنائه للجدار: ﴿
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا
﴾ [الكهف: 82].
وكان سعيد بن جبير يقول في قوله تعالى:(وكان أبوهما صالحا [الكهف: 82]: “كان يُؤدِّي الأمانات والودائع إلى أهلها، فحَفِظَ الله تعالى له كنزَه، حتى أدرَكَ ولداه، فاستخرجا كنزهما” (“حلية الأولياء” (4/ 287).
وقد سأل بعضُ خُلَفاء بني العبَّاس بعضَ العلمَاء أنْ يُحدِّثه عمَّن أدرَكَ، فقال: “أدرَكتُ عمر بن عبد العزيز، قيل له: يا أمير المؤمنين، أقفرَتْ أفواه بنيك من هذا المال، وتركتهم فقراء لا شيءَ لهم! – وكان في مرض موته – فقال: أدخِلُوهم عليَّ، فأدخَلوهم، وهم بضعة عشر ذكرًا، ليس فيهم بالغٌ، فلمَّا رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بنيَّ، والله ما منعتُكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخُذ أموالَ الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إمَّا صالح؛ فالله يتولَّى الصالحين، وإمَّا غير صالح؛ فلا أخلف لَهُ ما يستعينُ به على معصية الله تعالى، قُوموا عنِّي، قال: فلقد رأيت بعض بنيه حمل على مائة فرس في سبيل الله؛ يعني: أعطاها لِمَن يغزو. (“مجموع الفتاوى” (28/ 219).
5-الأمانة دليلٌ على إيمان العبد: فقد أثنَى الله عز وجل في أكثر من آيةٍ على رعاية المؤمنين للأمانة، وفي هذا إعلاءٌ لشَأنها، من هذا الثَّناء قولُه تعالى: ﴿
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾ [المؤمنون: 8]،
فجعَلَها صفةً بارزةً للمؤمنين.
- قال ابن كثيرٍ – رحمه الله – في تفسيره لهذه الآية: “إنَّ المؤمنين إذا اؤتمنوا لم يخونوا، بل يؤدُّونها إلى أهلها، وإذا عاهَدُوا أو عاقَدُوا أَوْفوا بذلك”. وجمَع الله الأمانات باعتبار تَعدُّد أنواعها وتعدُّدِ القائمين بحِفظها؛ وذلك تنصيصٌ على العُموم، والحِكمة في جمْع الله تعالى الأمانةَ دُون العهد – والله أعلم – أنَّ الأمانة أعمُّ من العهد؛ ولذا فكُلُّ عهدٍ أمانةٌ” (“فتح القدير”؛ للشوكاني:3/ 646).
والأمانة متلازمة مع الإيمان فإذا فقد أحدهما فقد الآخر ولذلك ربط النبي عليه الصلاة والسلام الأمانة بالإيمان كما جاء في الحديث الصحيح فقد أخرج الإمام أحمدُ وابن حبان عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ )) [و(لا) كما تعلمون نافية للجنس، أي تنفي جنس الإيمان عن الذي لا أمانة له، تنفي عنه أصل الإيمان، خرج من الإيمان كله..
عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: « المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده والمؤمن مَن أَمِنَه على دمائهم وأموالهم»)* « الترمذي 5 (2627) وقال: هذا حديث حسن صحيح، النسائي (8/ 104، 105)، وقال محقق جامع الأصول (1/ 240): إسناده قوي وأخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (26) وأورد من حديث أنس بلفظ نحوه ».
وأخرج ابن ماجه وأحمد وابن حبَّان عن فضالة بن عُبَيْدٍ قال: قال صلى الله عليه وسلم: “المؤمنُ مَن أَمِنَهُ الناس على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر مَن هَجَر الخطايا والذُّنوب” (“صحيح الجامع”: 6658)
لذلك قالَ عمرُ -رضي الله عنه-: “لا تغرُّني صلاةَ امرئ ولا صومَه، مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ صلى، لا دينَ لمن لا أمانةَ له”.
وكان عُروة بن الزبير – رضِي الله عنهما – يقول: ما نقصَتْ أمانةُ الرجل إلا نقَص إيمانُه.
وبهذا تعلمُ أخي الحبيب أنَّ المؤمن صادقَ الإيمان لا يُتصوَّر منه خِيانةٌ، وهذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقد أخرج البيهقيُّ في “سننه” وأبو يَعلى في “مسنده” عن سعد بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “يُطبَعُ المؤمِنُ على كُلِّ خلَّةٍ غيرَ الخيانة والكذب” (قال الحافظ: سنده قوي (10/ 508).
5-من ثمرات الأمانة أنها سبب للنجاة يوم القيامة
فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أخبر أنَّ الأمانة والرَّحِمَ تَقُومان يومَ القيامة على جنبتي الصراط عندما يمرُّ الناس على الصراط الذي وُضِعَ فوق جهنَّم يا له من موقفٍ عصيبٍ! فكلُّ مَن ضيَّع الأمانة وقطع الأرحام فلن يثبت على الصراط، أمَّا مَن وصَل رحمَه وأدَّى الأمانة فسيثبت – إنْ شاء الله – على الصراط، ويمرُّ إلى جنَّة الخلد حيث النعيم المقيم، يتمتَّع فيها بلذَّة النَّظر إلى وجه الله الكريم.
أخرج الإمام مسلمٌ عن حُذيفةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يجمعُ الله – تبارك وتعالى – الناس، فيقوم المؤمنون حتَّى تُزْلَفَ (تُزْلف: تُقرَّب) لهم الجنَّةُ، فيأتون آدم فيقولون: يا أبانا، استفْتحْ لنا الجنَّة، فيقول: وهل أخرجكم من الجنَّة إلاَّ خطيئةُ أبيكم آدم، لستُ بصاحِبِ ذلك، اذهَبُوا إلى ابني إبراهيم خليل الله، قال: فيقول إبراهيمُ: لستُ بصاحب ذلك، إنما كُنت خليلاً من وراءَ وراءَ (وراءَ وراءَ: كلمة مُؤكِّدة؛ كشذر مذر، وشغر مغر، فرَكَّبَها وبَناهما على الفتح.)، اعمدوا إلى موسى عليه السلام الذي كلَّمَهُ الله تكليمًا، فيأتون موسى عليه السلام فيقول: لستُ بصاحبِ ذلك، اذهبوا إلى عيسى كلمة الله وروحِهِ، فيقول عيسى عليه السلام: لستُ بصاحبِ ذلك، فيأتون محمَّدًا صلى الله عليه وسلم فيقوم فيُؤذَن له، وتُرسَل الأمانَةُ والرحمُ فتقومان جنبتي الصِّراطِ يمينًا وشمَالاً، فيمُرُّ أولكم كالبرقِ، قال: قلت: بأبي أنت وأمي أي شيءٍ كمرِّ البرقِ؟ قال: ألم تروا إلى البرق كيف يمُرُّ ويرجعُ في طرفِة عينٍ؟ ثمَّ كمرِّ الرِّيحٍ، ثمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وشدِّ الرِّحالِِ(شد الرِّحال: الشدُّ هو العدو البالغ الجرْي.) تَجْري بهم أعمَالهم(تجري بهم أعمالُهم: هو تفسيرٌ لقوله صلى الله عليه وسلم: “فيمرُّ أوَّلكم كالبرق، ثم كمَرِّ الرِّيح”)، ونبيُّكم قائمٌ على الصِّراطِ يقول: ربِّ سلِّمْ سلِّمْ، حتى تعجزَ أعمَالُ العبادِ حتى يَجِيءَ الرَّجُلُ فلا يستطيع السير إلاَّ زحفًا، قال: وفي حافتي الصِّرَاط كلالِيبُ معلَّقةٌ مأمورةٌ بأخْذ مَن أُمرتْ به؛ فمخْدُوشٌ ناجٍ، ومكْدُوسٌ في النَّار (مكدوس في النار؛ أي: مدفوعٌ فيها) “.
6-أداء الأمانة سببٌ لدُخول الجنَّة: أخرج الإمام أحمد وابن حبان والحاكم عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اضمَنُوا لي سِتًّا من أنفسِكُم أضمنْ لكم الجنَّة؛ اصدقُوا إذا حدَّثُتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدُّوا إذا اؤتمنتُم، واحفَظُوا فُروجكم، وغضُّوا أبصاركم، وكفُّوا أيديكُمْ”(“الصحيحة”: 1470، “صحيح الجامع”: 1018).
وأخيرًا أخي الحبيب، لا عليك ما فاتَك من الدُّنيا إنْ كنت أمينًا: روى أحمد والحاكم عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أربعٌ إذا كُنَّ فيك فلا عليك ما فاتَك من الدنيا: صِدْقُ الحديث، وحِفْظُ الأمانِة، وحُسن الخُلُقِ، وعِفَّةُ مَطْعَم” (“الصحيحة”: 733، “صحيح الجامع” 873).
ويقول عبد الله بن عمرو بن العاص – رضِي الله عنهما -:”أربعُ خِلالٍ إذا أُعطيتَهُنَّ فلا يَضُرُّك ما عُزل عنك من الدُّنيا: حُسْنُ خَلِيقةٍ، وعَفافُ طُعمة، وصِدْق حديثٍ، وحِفظ أمانة” (“الأدب المفرد
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد ألا إله إلا الله تعظيما لشانه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وخلانه
أما بعد
اختلف العلماء في المراد بالأمانة في قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا اختلف العلماء في المراد بالأمانة في الآية فبعضهم قال هي الفرائض وبعضهم قال هي التكاليف التي كلفنا الله بها من أوامر ونواهي وحدود وبعضهم قال هي الدين الأمانة هي الدين فالدين كله أمانة فالصلاة أمانة والصيام أمانة والزكاة أمانة والحج أمانة وجوارحك كلها أمانات ائتمنك الله عليها فسمعك أمانة وبصرك أمانة ولسانك أمانة وفرجك أمانة والدين أمانة والسر أمانة والعارية أمانة والرهن أمانة والوكالة أمانة والوصية أمانة والبيع أمانة والشراء أمانة واللقطة أمانة والزوجة أمانة والزوج عند الزوجة أمانة والأولاد أمانة فكل هذه أمانات يجب على المسلم أن يؤديها وإلا كان خائنا للأمانة على قدر تفريطه وتضييعه ومما يدل على صحة هذا القول القائل بأن الدين كله أمانة أن الله قال إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها فجاءت الأمانات بالجمع لأنها ليست أمانة واحدة وليست في مجال واحد إنما هي صور متعددة ومجالات كثيرة وكذلك قال تعالى مبينا صفات المؤمنين (والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون)فليست الأمانة قاصرة على رد الودائع كما يظن كثير من الناس بل هي أعم وأشمل
الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من شعائر الدين أمانة، من فرط في شيء منها أو أخل به فهو مفرط فيما ائتمنه عليه ربه تبارك وتعالى، البصر أمانة، والسمع أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، واللسان أمانة، والفرج والبطن وغير ذلك أمانة عندك، فلا تأتي الحرام من قبل ذلك، وإلا أصبحت مفرطاً فيما ائتمنت عليه، واحذر أن تكون هذه الجوارح شاهدة عليك يوم القيامة إن فرطت فيها، يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 24].
وكل إنسان مؤتمن فيما بينه وبين ربه على هذه الحقوق التي لا يطلع عليها إلا رب العباد، فلا أحد يراقبك سوى ربك الذي ائتمنك على هذه العبادات: ووكّل كل ذلك إلى قلبك ومعتقدك، ولا يطّلع عليه أحد سوى الله – تعالى – فالناس لا يعرفون عنك شيء، ولكنك تعرف من نفسك أن ربك لا يخفى عليه شيء.
- فلو صليت بلا وضوء لم يشعر بك أحد من الناس، لكن الله هو الذي يشعر بك، فالوضوء هو الطهارة، وهو أمانة بينك وبين ربك.
- ولو صففت في الصلاة، وأخذت تنحني مع الناس وترفع، وأنت لا تسبح، ولا تقرأ، ولا تذكر، ولا تأتي بشيء من واجبات الصلاة السرية ولا أركانها؛ فإن الناس لا يدرون عنك، ولكن الله يدري، فهذه الأذكار التي في الصلاة أمانة بينك وبين ربك.
- ولو أكلت في رمضان سرًّا، لم يشعر بك أحد؛ لأن الناس لا يراقبونك في كل حال، ولكن الله -تعالى- هو الذي يطلع عليك، فهذا الصيام أمانة بينك وبين ربك.
- ولو بخست الحقوق الواجبة لله من الزكاة ونحوها، ولم تؤدِّ زكاة المال السرية، لم يطّلع عليك إلا ربك، فالناس ليس لهم إلا الظاهر، فهذه أمانة مالية بينك وبين ربك.
- وكذلك لو خلوت بالمعاصي والذنوب، لم يطلع عليك إلا ربك.
- ولو أكلت الحقوق المالية للناس مثلًا لم يطلع عليك أحد من الناس.
- ولو أضمرت في نفسك أي شيء من الشك، أو من الشرك، أو من الكفر، أو من الوسوسة، لكان ذلك فيما بينك وبين الله، ولن يطلع الناس عليك إلا أن تخبرهم، فالله هو الذي ائتمنك على هذا.
وبهذا نعرف أن الأمانة عامة لكل العبادات التي فرضها الله على الناس، وإنما كانت تلك أمثلة، وهي على سبيل الاختصار وليست على سبيل الحصر.
مجالات الأمانة:
فمن الأمانة: حفظ الأسرار:
فالمسلم يحفظ سر أخيه ولا يخونه ولا يفشي أسراره، فعن جابر بن عبد اللّه- رضي اللّه عنهما- عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: « إذا حدَّث الرَّجُلُ الحديثَ ثم التَفَتَ فهي أمانَةٌ ») « الترمذي 4 (1959) وقال: هذا حديث حسن. أبو داود 4 (4868) وقال الألباني في صحيح سنن أبي داود (3/ 922): حسن وهو في الصحيحة برقم (1089) وفي صحيح الجامع (486).».
ويُؤكِّد هذا المعنى العظيم الحسن البصري – رحمه الله – بقوله: “إنما تُجالسوننا بالأمانة، كأنَّكم تظنُّون أنَّ الخِيانة ليست إلاَّ في الدِّينار والدِّرهم، إنَّ الخيانة أشدَّ الخيانة أنْ يُجالسنا الرجل، فنطمئن إلى جانبه، ثم ينطلق فيسعى بنا..”(“إحياء علوم الدين” (4/ 125).
قال الكفويُّ – رحمه الله -: “كلُّ ما افتُرِضَ على العباد فهو أمانةٌ؛ كصلاةٍ وزكاة وصيام وأداء ديْن، وأَوْكدها الودائع، وأوكد الودائع كتمُ الأسرار” (“الكُليات” صـ187).
أبو بكر الصديق الحافظ الأمين لِسِرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر – رضِي الله عنهما -: أنَّ عمر بن الخطاب حين تأيَّمت حَفصةُ بنت عمر من خُنَيْس بن حذافة السَّهمي – وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتُوُفِّي بالمدينة – فقال عمر بن الخطاب: أتيتُ عثمَان بن عفَّان، فعرضتُ عليه حفصةَ فقال: سأنظُر في أمري، فلبث ليالي، ثم لقيني فقال: قد بدَا لي ألا أتزوَّج يومي هذا، قال عمر: فلقيت أبا بكرٍ الصِّدِّيق فقلت: إنْ شئتَ زوَّجتُك حَفصةَ بنت عمر، فصَمَتَ أبو بكر، فلم يَرجِعْ إليَّ شيئًا، وكنتُ أَوْجَدَ عليه منِّي على عثمان فلبثتُ ليالي، ثم خطبها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فأنكَحتُها إيَّاه، فلقيني أبو بكرٍ فقال: لعلَّك وجدتَ عليَّ حين عَرضتَ عليَّ حفصةَ، فلم أرجعْ إليك شيئًا، قال عمر: قلتُ: نعم، قال أبو بكرٍ: فإنَّه لم يمنَعْني أنْ أرجعَ إليك فيما عرضتَ عليَّ إلا أنِّي كنتُ قد علمتُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكَرَها، فلم أكن لأُفشي سِرَّ رسول الله، ولو تركها رسول الله قبِلْتُها”.
(معنى وكنتُ أَوْجَد” قال الحافظ في “الفتح” (9/ 221): يعني: أشدُّ موجدة؛ أي: غضبًا على أبي بكر من غضبي على عثمان، وذلك لأمْرَيْن: أحدهما: ما كان بينهما من أكيد المودَّة؛ وذلك لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم آخَى بينهما، والثاني: لكون عثمان أجابَه أوّلاً ثم اعتذر له. ثانيًا: لكون أبي بكر لم يعدْ عليه جوابًا. ووقَع في رواية ابن سعد: “فغضب عليَّ أبو بكرٍ، وقال فيها: كُنت أشدَّ غضبًا حين سكت منِّي على عثمان”، اهـ.).
فاطمة – عليها السلام ورضي الله عنها – تحفْظ لسِرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كـانت – رضِي الله عنها – حافظةً لسِرِّ أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أمُّ المؤمنين عـائشة – رضِي الله عنها -: “إنَّا كُنَّا أزواجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عنده جميعًا لم تُغادِرْ منَّا واحدةٌ، فأقبلت فاطمة تمشي ما تُخطِئ مِشيتها من مِشية رسول الله صلى الله عليه وسلم فلمَّا رَآها رَحَّبَ وقال: مرحبًا بابنتي، ثم أجلسَها عن يمينه – أو عن شماله – ثم سارَّها، فبَكَتْ بُكاءً شديدًا، فلمَّا رأى حُزْنَها سَارَّهَا الثانية، فإذا هي تضحَكُ، فقلت لها: أنا من نسائه – خَصًّك رسول الله بالسِّرِّ من بيننا ثم أنت تبكين، فلمَّا قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتُها عمَّا سَارَّهَا؟ قالت: ما كُنتُ لأفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سِرَّه، فلمَّا تُوفِّي قلتُ لها: عزمت عليك بما لي عليك من الحقِّ لَما أخبرتِني، قالت: أمَّا الآن فنَعَمْ، فأخبرَتْني قالت: أمَّا حين سارَّني في الأمر الأوَّل فإنَّه أخبرني أنَّ جبريل كان يُعارضه بالقُرآن كلَّ سنة مرَّة، وإنَّه قد عارَضَنِي به العام مرتين، ولا أرى الأجَلَ إلاَّ قد اقترب، فاتَّقِي الله واصبري، فإنِّي نعمَ السلفُ أنا لك، قالت: فبكيتُ بُكائي الذي رأيت، فلمَّا رأى جزَعِي سارَّني بالثانية: قال: يا فاطمة، ألا ترضين أنْ تكوني سيِّدةَ نساء المؤمنين؟ أو سيدة نساء هذه الأمَّة؟ ” (البخاري).
حِفظ الغٍلمان لأسرار الكبار: ولا يتوقَّف الأمرُ على أمانة حِفظ الأسرار عند الرجال والنساء من الصَّحابة، بل حتى الغلمَان، فهذا أنسُ بن مالك رضي الله عنه الغُلام الصَّغير الذي يخدمُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: “أَسَرَّ إلَيَّ النبي صلى الله عليه وسلم سرًّا فمَا أخبرتُ به أحدًا بعدَه، ولقد سألتني أمُّ سُلَيم فمَا أخبرتُها به”(البخاري، باب حِفظ السر).
وكلُّ امرئ عُهِدَ إليه بسرٍّ يجب أنْ يحفظه؛ سواء أكان حاكمًا أم طبيبًا أم مُوظَّفًا أم عاملاً، وكمَا قيل: “قلوب العقلاء حُصون الأسْرار” (“أدب الدنيا والدين” صـ296).
مراعاة الأمانة في البيع
والمسلم يخاف الله تعالى، ويرعى الأمانة في البيع، وهو يعلم أن الله يقول: وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا سورة البقرة 275. وأن البيع عن تراضٍ، فلا يبيع محرماً، ولا يبيع بيع جهالة وغرر، وإذا نادى المنادي لصلاة الجمعة امتثل أمر الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ سورة الجمعة 9. ولا يتشاغل إذا أقيمت الصلاة، إذا أقيمت الصلاة ترمي القلم، والدفتر، والورقة، والكتاب، وكل شيء في يدك، ولا يجوز أن تنشغل بمحادثة أحد إطلاقاً، وإنما إلى الصلاة، وأما السنة أن تبكر، فتأتي بيت الله على طهارة، ماشياً محتسباً بخطواتك التي تقرب ما بينها لزيادة الأجر، رفع درجات، وتكثير حسنات، وتكفير سيئات رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ سورة النــور 37. البيع الذي هو حلال بالأصل لا يلهيه عن المسجد، فكيف بالقنوات الفضائية؟ إذا كان الله يقول: رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ مع أن التجارة كثيراً ما تكون حلالاً، والبيع مصدر كسب ومعيشة، لا يجوز أن يلهيه ذلك عن الصلاة، فكيف إذا ألهته أغنية، أو مسلسل، أو فلم، أو معصية عن ذكر الله، والصلاة يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ سورة النــور 37- 38.
المسلم لا يبيع أمراً محرماً، ولا شيئاً يستعان به على معصية الله، كآلات اللهو، والموسيقى، وغير ذلك؛ لأن ربه قال: وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ سورة المائدة 2. ولا يبيع بيع عينه، فلا يبيع سيارة بخمسين ألفاً مؤجلة، ثم يشتريها من المشتري نقداً بأقل، هذه حيلة فاسدة على الربا، والحقيقة أنه أعطاه أربعين ألفاً بخمسين، والسيارة خدعة، وهو في ذلك لا يذهب إلى جهة يقول لها: أريد أن اشتري سيارة في المعرض الفلاني، والوكالة الفلانية، فيعطونه شيكاً يسلمه للمعرض، ويأخذ السيارة من المعرض ومن الوكالة، ثم يقسط القيمة بزيادة؛ لأن هذا حيلة على الربا وعمل محرم، أقرضوه الثمن ثم سدده إليهم بزيادة، ولكنه يشتري من صاحب المعرض، أو من الوكالة بالأجل، ما دامت السيارة في حوزتهم وقبضتهم، وهكذا من أي شخص تشتري منه شيئاً منقولاً، كالسيارة لا بد أن يكون قد قبضها، وحاذها قبل عقد العقد، قبل أن ينعقد عقد البيع، وكثير من يخالف ذلك في هذا الأوان، والمسلم لا يسحب على المكشوف، لا بالفيزا، ولا بغير الفيزا بزيادة؛ لأنه يخاف الحرب من الله فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ سورة البقرة 279. والمسلم يعرف أن البيع أمانة، والشراء أمانة، فلا يغش، ولا يكذب، ولا يبيع بيعتين في بيعة، ولا يقول لشخص: أبيعك على أن تؤجرني، ولا أؤجرك على أن تشاركني، ولا آخذ منك قرضاً على أن تزوجني وهكذا، لا يربط العقدين ببعضهما؛ لأن النبي ﷺ نهى عن بيعتين في بيعة.
وكذلك فإن المسلم تفرض عليه الأمانة، أنه إذا وجد شيئاً ذا قيمة فالتقطه، أن يقوم بتعريفه، والإعلان عنه بكل وسيلة، فإذا لم يقدر على التعريف فلا يلتقطه أصلاً، لماذا يلتقطه ويأخذه؟ ثم يقول: أين أعرفه؟ وأين أعلق الإعلان؟ وأين ؟ وأين؟ فنقول: لماذا تأخذه أصلاً؟.
وكذلك فإن المسلم تفرض عليه الأمانة، أنه إذا وجد شيئاً ذا قيمة فالتقطه، أن يقوم بتعريفه، والإعلان عنه بكل وسيلة، فإذا لم يقدر على التعريف فلا يلتقطه أصلاً، لماذا يلتقطه ويأخذه؟ ثم يقول: أين أعرفه؟ وأين أعلق الإعلان؟ وأين ؟ وأين؟ فنقول: لماذا تأخذه أصلاً؟.
الأمانة في العطية والوصية
والمسلم إذا أعطى أحداً عطية ليس فيها معصية، فلا يجوز له الرجوع في عطيته؛ لأن النبي ﷺ شبه ذلك بأقبح الصور، وأشنعها فقال: العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه .وقال ﷺ: لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده . . رواه الخمسة وصححه الترمذي. فالوالد عليه أن يعدل في العطية بين أولاده، العطية التي ليس لها سبب يجوز فيه التفاوت، كالعيديات يجب أن يساوي بينهم: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ سورة النساء 11. فإن كان هناك سبب يدعو للتفاوت، كأن كان بأحد أولاده مرض يحتاج إلى نفقة علاج، أو دين ركبه، أو إعانة لزواج يحتاجه، أعطاه ما يعينه، فإذا قامت بالولد الآخر حاجة مثل حاجة الأول، أعطاه مثلما أعطى الأول، وإن مات قبل أن يزوج الصغار وقد زوج الكبار، فليس عليه مسؤولية ولا يؤاخذ عند الله؛ لأن نيته أن الصغار إذا كبروا فسيعينهم مثلما أعان الكبار إذا استطاع.
والمسلم لا يجور في الوصية فلا يزيد على الثلث، ولا يوصي لوارث، ولا يحرمه؛ لأن الله تعالى قال في كتابه: غَيْرَ مُضَآرٍّ سورة النساء 12.وقال ابن عباس t: “الإضرار في الوصية من الكبائر” وإذا قام المسلم على وصية نفذها؛ لأنها أمانة، فيخرج حقوق الله من تركة الميت أولاً، من زكاة، أو كفارات، أو نذور لم تخرج، وحقوق الآدميين من ديون وغيرها، وينفذ ما أوصى به الميت إن كان أوصى بشيء، ولا يبخس إخوانه الصغار حقوقهم إذا قام على تركة أبيه، ولا يتعدى الذكر على الأنثى فيأخذ حقها، ولا يقسم التركة قسمة جاهلية، فيقول: السيولة في البنك للرجال، وذهب الأم للنساء، قسمة جاهلية، ما أنزل الله بها من سلطان.
ما الذي يحمل المسلم على تنفيذ الوصية، والعدل، والعمل كما أمر الموصي؟ إنه يخاف الله فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ سورة البقرة 181. وانظر إلى الوعيد الذي ذكره الله بعد أن بيّن قسمة المواريث، قال U: وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ أي: في المواريث وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ والأنصبة التي حددها U: يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ سورة النساء 14.
اللهم إنا نسألك أن تفقهنا في ديننا، وأن تعيننا على القيام بحقوقك، وحقوق عبادك يا رب العالمين.
من الأمانة: أمانة الرهن والاستعارة والشهادة
عباد الله: إن المسلم يعلم أمانة الرهن، فلا يبيع شيئاً مرهوناً إلا بموافقة المرتهن، ويعلم أمانة الكفالة، فلا يأخذ مقابلاً على كفالة؛ لأنها إحسان يبتغي به وجه الله، ويعلم أمانة الوكالة، فلا يتوكل إلا في أمر مباح، والمسلم يسعى في الصلح بين المسلمين يرجو ثواب الله: لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا سورة النساء 114. وإذا عرض عليه صلح يقبله، ولا يتعنت، ولا يعاند، ولا يكابر، بل يتنازل كل طرف ليحصل الصلح؛ لأن الله ندب إليه، وأراده، وأمر به فقال: وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ سورة الأنفال 1. يتنازل هذا عن شيء من الدين، أو شيء من الدية، أو بعض حقوق الشراكة؛ لتصلح الأمور.
والمسلم إذا استعار شيئاً حفظه، وحافظ عليه، ورده إذا انتهت المدة، أو انتهت حاجته إليه؛ لأنه يعلم أمانة العارية، وأن الله قال في كتابه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ سورة الماعون1- 7. الذي استعاروه لا يردوه.
وكذلك فإن المسلم يتق الله إذا استعار سيارة أخيه المسلم، يرعى حق العارية، ويستعير الشيء فيرده، كما هو وأحسن إذا استطاع، ولا يرده تالفاً، ولا مكسوراً، ولا ناقصاً، أو معطلاً، كيف يعمل بهذا العمل السيئ، والله قال في كتابه: هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ سورة الرحمن 60. فإذا أتلف المسلم شيئاً، أو أحد أولاده أتلف شيئاً للجيران مثلاً عوضه، أو طلب منه المسامحة فسامحه، وإذا استودع المسلم وديعة، وأمانة قام بحقها ابتغاء الأجر من الله، وأداها امتثالاً لأمر الله: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا سورة النساء 58. وإذا أعطي زكاة، أو صدقات لإيصالها لمستحقين، لم يتصرف فيها، ولم يقترض منها؛ لأنها أمانة، والأمانة لا يجوز لك أن تقترض منها، ولو على الراتب في آخر الشهر، أمانة تصان لا يتصرف فيها، تؤدى إلى صاحبها، أو من أمرك أن تؤديها إليه، وكذلك فإن المسلم لا يبخس الناس حقوقهم، ولا يغش، ولا يدلس، ولا يحلف على الكذب، ولا يخفي عيوب السلع، والمسلم إذا أقرض فإنما يبتغي بالقرض وجه الله، والدار الآخرة، والأجر، يريد الثواب لا جزاءً، ولا شكوراً في الدنيا ما من مسلم يقرض مسلماً قرضاً مرتين إلا كان كصدقة مرة لو أقرضت عشرة آلاف ريال مرتين، فكأنك تصدقت بالعشرة آلاف، ومع أن المبلغ رجع إليك، ولو رجع إليك، والنبي ﷺ قد قال: من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة
والمصيبة أيها الإخوة: أن كثيراً من الناس يتلاعبون بالديون، مما أثر على الإقراض الخيري، فجعل الناس يقولون: لا يمكن أن نقرض، لقد أقرضنا فلاناً فلم يرد، أقرضنا فلاناً فماطل، أقرضنا فلاناً فرد نصف المبلغ، وهكذا، ولذلك كانت خطورة عدم الرد شديدة، وعندما يأخذ القرض وهو قد نوى مسبقاً أن لا يرده أتلفه الله، إذا أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله، إن رجلاً ممن كان قبلنا اقترض وعبر البحر وسعى في عمله، فلما جاء وقت رد المبلغ وهو بالساحل الآخر بعث عن سفينة فلم يجد، نقب جذعا،ً ووضع فيه المال، ورماه في الماء، وهو يدعو الله أن يصل إلى صاحبه، فلما علم الله ما في قلبه من الصدق، والحرص على أداء الأمانة، لم يجعل الله الجذع يغرق في الماء، ولا أن يتفرق المال، ولا الخشبة أن تضيع في الأمواج، ولا أن تذهب إلى ساحل آخر، ولا أن يلتقطها رجل آخر، ولا أن يلتهمها حوت، وإنما قدر الله أن تصل إلى صاحب المال، الذي أخذها في البداية حطباً لأهله، فلما نشرها وجد المبلغ، ورسالة من صاحبه، صدق في الأداء، صدق في المعاملة، صدق في الوفاء بالوعد، الوعد أمانة قطعتها على عنقك يجب أن تفي بها.
والمسلم إذا طلبت منه الشهادة، والحق سيضيع لو ما شهد، فإنه يجب عليه أن يشهد، يشهد بالحق وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا سورة يوسف 81. وشهادة الزور مصيبة، وكبيرة، ومن أسباب دخول النار وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ سورة الطلاق 2وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ سورة البقرة 282. وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ سورة البقرة 283.
أما هؤلاء الذين تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته، يشهدون على الكذب وهم يعلمون، ويقول: تسمح تعمل لي معروف، تذهب معي إلى المحكمة، وتشهد أنني أكفل أبويّ، وأبواه في بلد آخر، ليسا معه، ولا ينفق عليهما، ولا يعولهما، فيقول تعمل لي خدمة أخرج صك إعالة؛ لآخذ عليه من جهة العمل زيادة، فهذا يذهب يظن نفسه يعمل معروفاً بشهادة زور، كيف يشهد على هذا؟
أيها الإخوة: إن الحرام حرام، سواءً كان ريالاً، أو مليوناً، ولذلك فإن المسلم يعرف هذه الأمانات، ويلتزم حدود الله U.
ومن الأمانة النكاح فالنكاح أمانة ويبدأ النكاح بالخطبة فيجب على الخاطب أن يفصح عن مرضه إذا كان مريضا ويجب على المخطوبة أن تفصح عن مرضها إذا كانت مريضة وإذا أخفى أحد الطرفين مرضه عن الأخر وحدث النكاح وجب عليه التوبة واستسماح الطرف الآخر ومن الأمانة في النكاح الوفاء بالشروط المتفق عليها فإن النبي قال أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج
وكذلك من الأمانة في النكاح ألا يغلى الأولياء المهور حتى لا يثقلوا كاهل الشباب وحتى لا يصبح الحلال صعبا والحرام سهلا
وإذا تم عقد النكاح وانتقلت الزوجة إلى بيت زوجها فاعلم أيها الزوج أن هذه الزوجة أمانة عندك فقد قال النبي اتقو الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله فعلى الزوج أن يتقي الله في زوجته فيطعمها من الحلال ويكسوها من الحلال ويعطيها ما يكفيها ويكفي الأولاد ولا يترك زوجته تأخذ نفقتها من بيت أهلها ولا يترك أولاده يتطلعون إلى أولاد الجيران ويتحسرون لأن أباهم لا يكفيهم ولا يضرب الوجه ولا يقبح ولا يهجر إلافي البيت ويأمرها بالمحافظة على الصلاة في وقتها والمسارعة بالغسل من الجنابة حتى لا تؤخر الصلاة ويأمرها بالحجاب والتستر وعدم إظهار زينتها عند الخروج ولا يجبرها على رؤية شيء حرمه الله ولا يأخذها إلى أماكن محرمة ويجب عليه أن يحافظ عليها فلا يطأها في دبرها ولا يجامعها في وقت الحيض ويجب على الزوج أن يعاشر بالمعروف فإن كره منها خلق رضي منها آخر وإن كرهها كلها فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا عسى أن يخرج منها ولدا يكون فيه خيرا كثيرا وإن استحالت العشرة بين الزوجين فلنخرج بالمعروف كما دخلنا بالمعروف فلا تظلمها ولا تمنعها حقها ولا تحرمها من الحضانة مالم تتزوج فإن النبي قال للمرأة التي جاء زوجها ينازعها ولدها قال لها النبي أنت أحق به مالم تنكحي
والزوجة مُؤتَمَنة ومُلزَمة بطاعة الزوج الذي له حَقُّ القوامة عليها ما دام لم يأمرها بمعصية، والمرأة الصالحة الأمينة هي التي تحفَظُ معروفَ زوجها وتطيعُه في المعروف؛ قال تعالى: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ [النساء: 34].
وقال ابن عباس – رضِي الله عنهما – وغير واحدٍ في قوله – تعالى -: ﴿ قَانِتَاتٌ ﴾ [النساء: 34]: “يعني: مطيعات لأزواجهنَّ” (“تفسير ابن كثير” (2/ 293).
2- حِفظ نفسها وعِرضها: فالزوجة مُؤتَمَنةٌ على حِفظ نفسها وعِرضها؛ فقد أخرج ابن حبَّان عن أبي هُرَيرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا صلَّت المرأةُ خَمسَها، وصَامَتَ شَهرَها، وحَصَّنَت فَرجَها، وأطَاعَت بَعلَها، دَخَلَت الجَنَّة من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ شَاءَت” (“صحيح الجامع”: 660).
وجاء عن أُبَيِّ بن كعبٍ رضي الله عنه قوله: “من الأمانة أنَّ المرأة اؤتمنت على فَرْجِها” (“تفسير بن كثير” (1/ 489).
3- حِفظ مال الزوج وعدَم الإسراف في إنفاقه: الزوجة مُؤتَمَنة على حِفظ مال زوجها وعدَم الإسراف في المأكل والمشرب؛ قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31].
وقوله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: 67].وغاية هذه الأمانة أنَّ المرأة لا تتَصرَّف في مال زوجها إلاَّ بإذْنه إلاَّ في الصَّدقة المعتدلة؛ كما في حديث عائشة – رضِي الله عنها – قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا تَصَدَّقَت المرأةُ من طعام زوجها، غَير مُفْسِدةٍ، كان لها أجرُها، ولزوجها بما كَسَب، وللخازنِ مثل ذلك”(البخاري).
ويُعفى من ذلك عن الشيء اليسير الذي لا يُؤبَه له، ولا يظهر فيه النُّقصان، أو إذا كان الزوج يأذَنُ لها إجمالاً. (“فتح الباري” (3/ 303).
وكذلك من أمانة الزوجة إعلامُ زوجها بما كتَب الله تعالى لها من الحمل في بَطنها؛ لتتأكَّد رعايتُه على المولود له، خاصَّة عندما تضيقُ سُبُلُ المعاشرة بالمعروف بينهمَا؛ قال تعالى: ﴿
وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [البقرة: 228].
حِفظ أسرار الزوج:
الزوجة مُؤتَمَنة على حِفْظِ أسرار زوجها، ويجبُ عليها أنْ تحرصَ أشدَّ الحِرص علي عدَم إفشائها، ولا شَكَّ أنَّ حِفْظَ سِرِّ الزوج من أخصِّ خَصائص أمانة الزوجة تجاه زوجها، ومن أكثرها إسهامًا في ديمومة الحياة الزوجيَّة واستِقرارها.
أمانة مشتركة بين الزوجين وهى حفظ أسرار الفراش: ومن أعظم الأمانة من الزوجة لزوجها ومن الزوج لزوجته حفظُ سرِّها وخُصوصًا أسرارَ الفِراش؛ ومن أعظم الأسرار ما يكونُ من أمور الاستمتاع. فقد حرَّم الإسلام إشاعة ما يَحْدُث بين الزوجين من عَلاقة خاصَّة، فلا يُطْلَع على ذلك أحدٌ أيًّا كان فقد أخرج الإمام مسلمٌ في صحيحِه عن أبي سعيد الخدريّ- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: “إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الأَمَانَةِ « إن من أعظم الأمانة: على حذف المضاف، أي أعظم خيانة الأمانة.» عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا”. « مسلم (1437).».
وفي رواية: “إن أشرِّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة، الرجل يفضي إلى امرأته، وتفضي إليه، ثم ينشُر سِرَّها”. فاحذر من هذا النوع من الخيانة الذي انتشر بين الناس حتى وصل إلى حد التباهي والغرور فيحرم على الزوج والزوجة أن ينشرا سرهما وما يجري بينهما من علاقات زوجية لغيرهما، ولو على سبيل المزاح.
و أخرج الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد: أنها كانت عند رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والرجال والنساء قُعودٌ فقال: “لعلَّ رجلاً يقولُ ما يفعل بأهله، ولعلَّ امرأة تخبرُ بما فعلت مع زوجها”، فأَرَمَّ القوم، فقُلت: والله يا رسول الله إنهنَّ ليفعلن وإنهم ليفعلون قال: فلا تفعَلُوا؛ فإنما ذلك مثلُ الشيطان لقي شيطانةً في طريقٍ فغشيها والناس ينظُرون”.
ومن الأمانة: حِفظ الأولاد وحُسن تربيتهم.
وهذه النِّعمة التي أعطاك الله إيَّاها ستُسأَل عنها يوم القيامة، هل حَفِظت أو ضيَّعت؟ فللأولاد وتربيتهم مسؤوليَّةٌ سيُسأَلُ عنها الآباء أمامَ الله عز وجل يوم القيامة؛ فلن تزولَ قدَمَا عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عمَّا استَرْعاه، أحفظ أم ضيَّع؟
فقد أخرج البخاري ومسلمٌ عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: “كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسئولٌ عن رعيَّته، فالرجل راعٍ في بيته وهو مسئولٌ عن رعيَّته، والمرأة راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيَّتها”.
قال الإمام النووي – رحمه الله -: الراعي هو الحافظ المؤتمَن الملتزِم صلاحَ ما قام عليه وما هو تحت نظَرِه، ففيه أنَّ كلَّ مَن كان تحت نظَرِه شيءٌ فهو مُطالَبٌ بالعدل فيه والقيام بِمَصالحه في دِينه ودُنياه ومتعلقاته، اهـ.
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “وكلُّكم مسئولٌ عن رعيَّته”؛ أي: في الآخِرة، فإنْ وفَّى ما عليه تجاه الولد من الناحية الصحيَّة والجسديَّة وتوفير القوت والملبس والمسكن؛ حيث إنَّ الطفل لا يستطيع أنْ يُوفِّر ذلك لنفسه، وكذلك يُوفي ما عليه من ناحية التربية، فيُربِّيه على المبادئ الإيمانيَّة السامية؛ حيث إنَّ الطفل يُولد وعقله وقلبه صفحة بيضاء يستوعبُ ما يُنقَش فيه، ويتعلَّم ما يُملَى عليه؛ كما قال تعالى:
﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا ﴾
[النحل: 78]. فإنْ رُبِّي الولدُ على الخير نشَأ عليه وأصبح بارًّا بوالديه يدعو لهما ويقول:
﴿ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ﴾ [الإسراء: 24].
فشَكَرَ الولد حُسن صَنيع الوالدين؛ حيث بذَلا المجهود الكبير في تربيته حتى استَقام على دِينه واستَغنى بنَفْسه عن غيرِه.
وأمَّا إذا ضيَّعا وفرَّطا في تربية الولد، فإنَّه سيخرُج عُضوًا فاسدًا ومِعوَل هدمٍ وعاقًّا لوالديه
اللهم إنا نسألك أن ترزقنا فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، اللهم فقهنا في الدين، وجنبنا شرور أنفسنا يا رب العالمين، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين فنهلك، يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، اللهم انصر المجاهدين، وأعل كلمة الدين، وانصر عبادك الموحدين، اللهم أخز اليهود، وأعداء الدين، والمشركين، اللهم اهزمهم، انصر المسلمين عليهم، وأخرج اليهود من بيت المقدس أذلة صاغرين، اللهم اهتك أستار المنافقين، اللهم من أراد إشغال المسلمين عن دينك باللهو فامكر به يا رب العالمين، واجعل كيده في نحره، اللهم إنا نسألك الأمن والإيمان، وطاعتك يا رحمن، اللهم آمنا فيا الأوطان والدور، وأصلح الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.([1])
[1] )المصادر
1-الأمانة فضائلها ومجالاتها للشيخ سعيد الشهاوي
2-الأمانة للشيخ المنجد
3-الأمانة للدكتور محمد راتب النابلسي
4- يوم ضيعنا الأمانة للشيخ خالد الراشد
5-الأمانة للشيخ المغامسي
6-

