
خطبة عن بداية العام الدراسي
أهمية العلم ومكانته
قال جل وعلا :(اقرأ باسم ربك الذي خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم).([1])
فالله جل وعلا امتن على الإنسان وعلمه بالقلم أي بالكتابة التي عن طريقها دونت العلوم ونقلت من جيل إلى جيل واستطاع الإنسان عن طريقها أن يقرأ وأن يزداد علما ومعرفة ومما يدل على قدر العلم ومكانته أن الله رفع به قدر آدم وجعل الملائكة تشهد له بالفضل والكرامة والمكانة وذلك عندما علم الله آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة وأمرهم أن يخبروه بها فلم تستطع الملائكة فأخبرهم بها آدم فشهدت له الملائكة بالفضل والكرامة والمكانة العالية
ومما يدل على فضل العلم أنه كان سببا في خروج يوسف من ظلمات السجن وبوأه الله على خزائن الأرض وذلك لأنه استطاع أن يؤّل رؤيا الملك ومما يدل على قدر العلم ومكانته أن الكلب المعلم يؤكل صيده والكلب غير المعلم لا يؤكل صيده فإذا كان العلم رفع قدر الكلب فكيف يصنع بالإنسان الذى كرمه الرحمن وماذا لو كان علم الدين أو القرآن([2])
ومما يدل على قدر العلم ومكانته أنه العبادة الوحيدة التي تضع الملائكة أجنحتها على من قصدها وأنه سبب في استغفار الله وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض وحتى الحوت في البحر وحتى النملة في جحرها
والعلم أفضل من المال لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال إذا مات الإنسان لا يخرج من عتبة البيت لكن العلم يدخل معه القبر ويؤنسه ويدافع عنه ويشفع له ونحن مقبلون على عام دراسي جديد يختلف قليلاً عن الأعوام السابقة فالأعوام السابقة كان التعليم مباشر من المعلم إلى التلميذ لكن في هذا العام التعليم سيكون غير مباشر عبر الفضائيات أو عبر الشبكة العنكبوتية وهو ما يسمى بالتعليم عن بعد وهذا التعليم كنا نزاوله ونمارسه ونحن لا ندرى فحينما كنّا نستمع لخطبة أو درس عبر الفضائيات أو عبر الشبكة العنكبوتية فهذا كان تعليم وكثير من العلماء شرحوا كتب ومتون واستمع إليها الطلبة وهم جالسون في بيوتهم في شتى بقاع الأرض فهذا كان تعليم عن بعد
فعلى كل سواء أكان التعليم مباشر أو عن بعد فهناك آداب ينبغي أن يتحلى بها الطالب وآداب ينبغي أن يتحلى بها المعلم ومسئولية كبيرة على أولياء الأمور يجب أن يقوموا بها
آداب ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم
ينبغي على الطالب أن يتحلى أولا: بالإخلاص لأن العلم عبادة والعبادة لا تقبل إلا إذا كانت خالصة لوجه الله فينبغي على التلميذ أن يبتغى بتعلمه وجه الله لا يكون هدفه أن ينال النجاح وفقط أو يحصل على الشهادة وفقط وإنما ينبغي أن تكون نيته من تحصيل العلم أن يخدم نفسه ودينه وأمته وأن يساعد في عوامل القوة في حياة المسلمين وأن العلم سبيل يوصله إلى الجنة فإذا كان الطالب نيته كذلك كانت خطواته عبادة وكان الوقت الذي يقضيه في تعلم العلم عبادة وأمواله التي ينفقها في تحصيل العلم عبادة كذلك من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم
التأدب مع المعلم
ينبغي على الطالب أن يتأدب مع معلمه فإذا جلس أمامه جلس بأدب وتوقير وإذا تكلم خفض صوته وإذا سأل لا يكثر من الأسئلة ولا يسأل أسئلة بعيدة عن تخصص المعلم حتى لا يحرجه وإذا نادى معلمه لا يناديه باسمه وإنما يقول يا أستاذي أو يا معلمي هكذا كان السلف يتأدبون مع معلميهم فهذا جبريل لما جاء إلى النبي في صورة متعلم جلس بجواره جلسة أدب وهذا موسى لما جاء إلى الخضر قال له بأدب هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا كذلك من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم أو التلميذ
الصبر
فالعلم قامة وقيمة ومنزلة عالية رفيعة لا تنال إلا على جسر من التعب
فلا تحسبن المجد تمرا أنت آكله لن تنال المجد حتى تلعق الصبر
وقال أبو تمام مخاطباَ نفسه
تريدين لقيان المعالى رخيصة ولابد دون الشهد من إبر النحل([3])
ومما يدل على أن العلم يحتاج إلى صبر أن الخضر اشترط هذا الشرط على موسى عندما جاء ليطلب منه العلم قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا أي لا تسأل عن الحكمة مما أفعله حتى أخبرك أنا بها لكن موسى كان يفزع من أفعال الخضر ويتعجل معرفة الحكمة مرتين فلما كانت الثالثة قال له الخضر هذا فراق بيني وبينك أنا طلبت منك الصبر وأنت لم تصبر لذلك لن تتعلم منى قال النبي ليته صبر ليته صبر ليته صبر لأنه لو صبر لعلمنا مزيداَ من علم الخضر وهو العلم الّدني الذي لا يقرأ في كتب ولا يسمع من علماء إنما هو علم من رب الأرض والسماء يعلمه الله لمن يشاء
فالشاهد أن العلم يحتاج إلى صبر في البحث وصبر في الحفظ والفهم فهناك مسائل من الصعب أن تحفظ من أول مرة يحتاج فيها الإنسان أن يعيد ويعيد حتى يفهم ويحفظ وإذا كان الجهاد صبر ساعة فإن العلم صبر طول العمر لأن العلم لا ينتهي إلا بانتهاء العمر لذلك النبي قال :(اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد)
والإمام أخمد كبر سنه وانحنى ظهره ومع ذلك كان يحمل الكراس ويحرص على مزيد من العلم فقيل له إلى متى يا إمام قال مع المحبرة إلى المقبرة فالعلم لا حدود له وإذا علم الإنسان أشياء فهناك ملايين الأشياء لا يعلمها ومن ظن أته علم فقد جهل
قال جل وعلا:(وما أوتيتم من العلم إلا قليلا)([4]) ومن الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها التلميذ أو الطالب
مصاحبة الأخيار
فالمرء على دين خليله والصاحب ساحب والناس مجبولون على مشابهة بعضهم لذلك ينبغي على الطالب أن يحرص على مصاحبة الأخيار وأن يبتعد عن مصاحبة الأشرار لأن الصاحب له أثر كبير في صاحبه فالنبي لما صحب جبريل تأثر بصحبته فكان أجود بالخير من الريح المرسلة والصحابة لما صحبوا النبي تأثروا بصحبته فكانوا خير الناس بعد سيد الناس والتابعين لما صحبوا الصحابة تأثروا بصحبتهم فكانوا أصحاب همم عالية في الطاعة والعبادة والزهد وطلب العلم([5])
كذلك من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها طالب العلم أن يحرص على النافع وأن يبتعد عن العلوم التي لا نفع فيها لذلك كان من دعاء النبي اللهم علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني وزدني علما أما بالنسبة للمعلم فأول ما ينبغي أن يتحلى به
الإخلاص
أن يخلص في تعليمه العلم لا تكون نيته من تعليم العلم أنها مجرد وظيفة أو من أجل ان يحصل على الراتب أو المال وإنما بالإضافة إلى ذلك يجب أن تكون نيته أن ينفع المسلمين بالعلم النافع حتى يجرى له الثواب كلما انتفع المسلمون بهذا العلم فالعلم النافع تعليمه صدقة جارية يجرى ثوابها للإنسان في حياته وبعد مماته كلما انتفع الناس بهذا العلم
فينبغي أن تكون النية هي أن ينفع الناس بالعلم النافع وأن يستغفر الله له وملائكته وأهل السماوات وأهل الأرض حتى الحوت في البحر وحتى النملة في جحرها كذلك من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم
الحلم والرفق
فما كان الحلم في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه والله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق ما لا يعطي على غيره ومدح النبي أشج عبد قيس لأنه كان يتحلى بهاتين الصفتين الحلم والأناة فقال له إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله الحلم والأناة
فينبغي على المعلم أن يكون رحيماً رفيقا وأن يعلم أنه يعلم أحد صنفين إما أن يكونوا صغارا ً وإما أن يكونوا كباراً فإن كانوا صغراً فهم جهلاء يجب أن يصبر على ما يصدر منهم من خطأ أو ذلل لأنه صدر عن جهل فالنبي كان يعلم الصغير ويعلم الكبير فكان يصبر على ما يصدر من الصغير من خطأ وذلل لأنه صدر عن جهل وخطأ فهذا عمر ابن أبى سلمة لما جلس مع النبي على مأدبة الطعام وصدر منه الخطأ لم يعنفه النبي ولم ينهره ولم يزجره ولم يقسوا عليه وإنما قال له برفق ورحمة يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك
وإما أن يكون من تعلمهم كبارا فحاول أن تصل إلى قلوبهم لأنك إذا وصلت إلى قلوبهم أحبوك وقبلوا نصائحك وتوجيهاتك أما إذا عاملتهم بقسوة وغلظة وشدة أغلقت قلوبهم أمامك ولن يقبلوا نصائحك وتوجيهاتك كذلك من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم
ضبط العلم
المعلم لابد أن يكون متقنا لما يعلمه ومحضرا له تحضيراً جيداً لأن هذ الإتقان وهذا التحضير الجيد يترتب عليه تمكن المعلم من إدارة حصته وتمكنه من السيطرة على سلوك طلابه لأن طلابه سيجدون وقت الحصة ممتلأ وليس هناك مجال للعب لذلك سينتبهون ويسهل السيطرة على سلوكهم فيجب على المعلم أن يضبط العلم ولا يعتمد على ما في ذهنه من علوم كذلك من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم
العفة والقناعة
يجب على المعلم أن يكون عفيفا قنوعاً لا يكن همه من تعليم العلم جمع المال ولذلك إذا حصل على المال بذل العلم وإذا لم يحصل على المال بخل بالعلم فهذا لا يليق بك أيها المعلم إنما يجب عليك أن تبذل العلم وتبتغى بذلك وجه الله وأن تحرص على نفع المسلمين بما في وسعك وبما في مقدورك وإذا كان راتبك قليلا لا يكفى فتوجه إلى الله الرزاق أن يفتح لك أبواب الرزق التي تعينك على تعليم أولاد المسلمين كذلك من الآداب التي ينبغي أن يتحلى بها المعلم
أن يراعى ما بين طلابه من فروق فردية
فكما أن الطلاب مختلفون في درجة سماعهم وبصرهم كذلك بينهم اختلاف كبير في فهمهم وحفظهم فهناك طلاب يفهمون من أول مرة وطلاب يحتاجون إلى مزيد من الإعادة والتكرار فلذلك على المعلم أن يكون فطنا فيراعى هذا الجانب في شرحه وفي توجيهه الأسئلة لطلابه
ثالثا: مسئولية أولياء الأمور
التعليم ليس مقتصراً على المدارس بل التعليم في البيت أيضا فالبيت هو المدرسة الأولى التي يتخرج منها التلميذ والأب والأم هما المعلم الأول الذى يتلقى منه الطالب تربيته وأخلاقه لذلك كان النبي يهتم بتعليم أهل البيت وبين الثواب والأجر الذي يعود على من يهتم بتعليم أهل بيته فقال :ثلاثة لهم أجران وذكر منهم ورجل كانت له أمه فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران وما يدل على اهتمام النبي بتعليم أهل البيت من النساء والأطفال أن النبي جعل للنساء يوما يجلس إليهم فيه ويعلمهم مما علمه الله
لذك ينبغي علينا أن نهتم بتعليم أهل البيت خاصة الأطفال ولا نعتمد على المدرسة فإن المدرسة وحدها لا تقوم بدورها في التوجيه وتهذيب الأخلاق وتقويم السلوك ويزداد الأمر خطورة ورغبة في الاهتمام بتربية الأولاد داخل البيت إذا علمنا أن المناهج الدراسية أصبحت عبارة عن علوم تحشى بها العقول لكن لا تحسن أن تعلم الأولاد البكاء من خشية الله ولا تحسن أن تعلم ألسنتهم التورع عن أعراض الناس ولا تحسن أن تعلم قلوبهم مراقبة رب الناس
لذلك لابد من قيام الأب والأم بدورهما في البيت وهو التربية والتوجيه وتهذيب الأخلاق وتقويم السلوك فإنك أيها الأب إذا اهتممت بتعليم ولدك من أجل أن يحصل على الشهادة ولم تهتم بالجانب الأخلاقي فسيكون طبيبا لكن بلا أخلاق سيكون مدرساٍ لكن بلا أخلاق
والذي يجعله يبرك ويحسن إليك وإلى إخوته وإلى الجيران والناس ليست الشهادة وإنما الأخلاق لذلك يجب الاهتمام بالجانب الأخلاقي ويجب أن يقوم الآباء بمسئوليتهم تجاه أبناءهم فالمسئولية ليست مقتصرة على مجرد توفير الأدوات المدرسية وما يحتاجه الأولاد من طعام وشراب وثياب
والمسئولية لم تنتهى بمجرد أن يرسل الأب أو ترسل الأم ابنها أو ابنتها إلى المدرسة لم تنتهى المسئولية عند هذا الامر وإنما المسئولية مستمرة بأن يراقب الأب ابنه أو ابنته في المدرسة ويسأل عن أصحابه لأن الصاحب كما علمنا له أثر كبير على صاحبه ويسأل عن أخلاقه داخل المدرسة وعن تعامله مع المعلمين ومع الطلاب
وبعد أن يعود يستمع إلى أقواله ويتأمل في أخلاقه وسلوكه هل لازال على أخلاقه التي كان عليها أم اكتسب أخلاق سيئة وصفات ذميمة فإذا، كان الأمر كذلك يوجه ويعيد تهذيب الأخلاق مرة ثانية بالقصة بالتحفيز وبالتوجيه والنصح …..إلى غير ذلك
[1] )سورة العلق
[2] )خطبة توجيهات في بداية العام الدراسي للمنجد
[3] )ديوان أبو تمام
[4] )سورة الإسراء
[5] )خطبة عن الصحبة للشيخ الدد

