
غزوة بنى النضير دروس وعبر
تمهيد
لازلنا في شهر ربيع الأول الذي حفل بالكثير من الأحداث المتعلقة بالنبي ففي هذا الشهر كان ميلاد المصطفي صلى الله عليه وسلم وفي هذا الشهر كانت هجرته وفي هذا الشهر كانت وفاته وفي هذا الشهر كان إجلاء بني النضير عن مدينة رسول العزيز القدير
أسباب الغزوة
بنى النضير قبيلة عربية يهودية الديانة كانت تسكن في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ولما هاجر النبي إلى المدينة وقع معهم إتفاقية ألا يقاتلهم ولايقاتلوه وألا يحاربهم ولايحاربوه وأن ينصرهم إذا احتاجوا إلى نصرته وأن ينصروه ويساعدوه إذا احتاج إلى نصرتهم ومساعدتهم
وظل الحال كما هو عليه عاما واثنين وثلاث حتى كان العام الرابع للهجرة
أحداث الغزوة
ذهب النبي إليهم يطلب مساعدتهم في دفع دية قتيلين قتلهم عمرو بن أمية الضمري خطأ وبناءً على الإتفاقية التي بينهم وجب عليهم أن يساعدوه فأجلسوا النبي بجوار حائط لهم وقالوا نفعل يا أبا القاسم ودخلوا داراٍ لهم لاليساعدوه وإنما ليفكروا في كيفية التخلص من النبي فاتفقوا على أن يلقوا على رأسه من فوق سطح البيت الذي هو جالس تحته حجر الرحى وهو الحجر الذي يطحن به القمح فقال لهم سلام بن مشكم لا تفعلوا فو الله ليخبرن بما هممتم به وإنه لنقض للعهد ولكنهم أصروا على ذلك
وإختاروا لهذه المهمة عمرو بن جحاش فصعد فوق سطح المنزل وهم أن ينفذ فأخبر الله جبريل وأمره أن يخبر محمد فنزل جبريل وأخبر النبي بما دبره اليهود فقام النبي مسرعا وأوهم أصحابه أنه قام لحاجة فلما استبطئوا النبي قاموا فوجدوه في المدينة فأخبرهم الخبر ثم أرسل إليهم محمد بن مسلمة واختار النبي محمد بن مسلمة حتى يعلمنا الولاء والبراء فمن كان مؤمنا لا يوالي كافرا ولوكان أبا أو أخا أو قريبا لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ابناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم
فذهب إليهم محمد بن مسلمة برسالة النبي فأخبرهم بالمؤامرة التي دبروها وأمرهم بأمر النبي أن يخرجوا من المدينة ولا يساكنوه فيها بسبب خيانتهم ونقضهم العهد وأن النبي قد أمهلهم عشراً فمن وجد بعد العشر ضُرب عنقه فلم يجد اليهود أمامهم إلا التسليم لأمر النبي لأنهم يعلمون قوة المسلمين ولأنهم خاطئون فيما فعلوا لذلك سلموا وقرروا الخروج فبدأوا يتجهزون ويعدون العدة للخروج فجاءتهم رسالة المنافقين لا تخرجوا وقاتلوا فنحن سنقاتل معكم قال لهم رأس النفاق عبد الله بن أبي سأرسل معكم ألفي مقاتل يقاتلون معكم فإذا قاتلتم قاتل معكم وإذا خرجتم خرجوا معكم فعادت إليهم الثقة واطمأنت نفوسهم فأرسلوا إلى النبي لن نخرج واصنع ما بدا لك في الحقيقة كان لهذه الرسالة أثر كبير على النبي وأصحابه لأن جبهة القتال لاتزال مشتعلة مع المشركين فكانوا قريبي عهد بوقعة أحد التي راح ضحيتها سبعين بطلاً من أصحاب النبي فكانت جبهة القتال مشتعلة مع المشركين فلا يريدون أن يفتحوا للقتال جبهة أخرى مع اليهود خاصة أن اليهود قوة لا يستهان بها فكان من الصعب أن يخرجوا
لكن النبي كبر وكبر أصحابه وجهز النبي جيشاً وجعل لواءه بيد على بن أبي طالب واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم ووصل النبي إلى ديارهم وحاصرهم وكان أمام بيوتهم نخل وبساتين فأمر النبي بإحراق بساتينهم وقطع نخيلهم لأن اليهود قوم ماديون يحبون المال كأعينهم فلما رأوا نخيلهم يقطع كانت هذه أول ضربة قاسية لهم سببت لهم الحسرة على أموالهم وتحرج بعض الصحابة من أمر النبي بقطع النخيل وإحراق البساتين لأن رسالة الإسلام رسالة إصلاح وصلاح فكيف يأمر النبي بقطع النخيل فلاشك أن هذا صورة من صور الفساد فنزل قوله تعالى :(ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين ).( )
ولما رأى المنافقون فعل النبي وأصحابه بالنخيل علموا أن الأمر جاد فخافوا وفزعوا وخانوا العهد الذي اتفقوا عليه مع اليهود فلم يقاتلوا معهم ولم ينصروهم كما وعدوهم فلم يطل الحصار إلا ست ليال فقط وكان المسلمون يظنون أن اليهود لن يخرجوا بسبب قوة حصونهم وشدتها وكان اليهود أنفسهم يظنون أن المسلمون لا سبيل لهم عليهم بسبب قوة حصونهم لكن جنود الله لا يعلمها إلا هو وقوة الله لاتقف أمامها قوة فأرسل الله عليهم جنداً من جنوده لم يدخل حصونهم فقط وإنما دخل قلوبهم وهو الرعب الذي قذفه الله في قلوبهم فامتلأت قلوبهم فزعا وخوفا وظنوا أن كل شيء حولهم سيضرهم وقذف في قلوبهم الرعب فالإنسان إذا هزم داخليا فمن السهل أن يهزم خارجيا لأن الإنسان إنما يقف على قلبه فإذا كان القلب مطمئنا ظهرت الطمأنينة على وجهه وأصبح ثابتا وإذا كان القلب فزعا ظهر الفزع على الوجه فأصبح فزعا خائفا
فلما ملأ الرعب قلوبهم أرسلوا إلى النبي أننا سنخرج وننزل على أمرك ولا نساكنك في المدينة فسمح لهم النبي أن يأخذوا من أموالهم ما حملت الإبل فقط كل واحد يأخذ ما حمل بعيره إلا الحلقة أي السلاح فأخذوا يتجهزون ويأخذون ما استطاعوا حمله وحاولوا بكل سبيل ألا يتركوا شيئا للمسلمين ينتفعون به فكانوا يأخذون حتى الأبواب والشبابيك وحتى خشب البيوت كانوا يهدمون السقف حتى يأخذوا الأخشاب ولا يتركوها للمسلمين ينتفعون بها
يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين
فخرجوا متجهين إلى بلاد الشام وغنم المسلمون أموالهم فكانوا قد تركوا من السلاح خمسين درعا وثلاثمائة وأربعين سيفا بالإضافة إلى الأراضي والبيوت فجمع النبي الأنصار وقال لهم إن شئتم أن أقسم بينكم وبين إخوانكم المهاجرين أموال بني النضير ويساكنوكم في بيوتكم لأنه كما هو معلوم أن المهاجرين قد تركوا أموالهم وبيوتهم في مكة فلما جاءوا إلى المدينة مهاجرين قاسمهم الأنصار مساكنهم فمن كان عنده بيت كان يعطى لأخيه من المهاجرين نصفه ومن كان عنده بيتين كان يعطى لأخيه من المهاجرين بيتا وهكذا فأراد النبي أن يعطى المهاجرين أموال بني النضير حتى يخرجوا من بيوت الأنصار ولكن حتى لا يكون في نفس الأنصار شيئا جمعهم النبي فقال لهم إن شئتم أن أقسم بينكم وبين إخوانكم المهاجرين أموال بني النضير ويظلون في مساكنكم وإن شئتم أعطيتها للمهاجرين وخرجوا من منازلكم فانظر ماذا كان رد الأنصار قالوا يا رسول الله بل تعطها للمهاجرين ويظلون معنا في بيوتنا (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون).( )
الخطبة الثانية
بعد أن ذكر الله أحداث غزوة بنى النضير في سورة خلد الله ذكرها في كتابه وهى سورة الحشر التي سميت بسورة بني النضير قال الله بعدها فاعتبروا يا أولى الأبصار أي خذوا العظة والعبرة من أحداث الغزوة فالله لم يقصها علينا لمجرد الثقافة الذهنية ثم نخرج وكأننا ما سمعنا شيئا إنما الهدف أن نخرج بالدروس والعظات والعبر وأول درس نخرج به من الغزوة
1. أن قوة الله لاتقف أمامها قوة وقدرة الله لا تعجزها شيء فهو الغالب على أمره وهو القاهر فوق عباده وهو الذي أمره بعد الكاف والنون إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون فكان المسلمون يظنون أن اليهود لن يخرجوا بسبب قوة حصونهم وكان اليهود يظنون أن المسلمون لا سبيل لهم عليهم لكن الله غالب على أمره لا يعجزه شيء فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب
2. من دروس الغزوة أن جنود الله لا يعلمها إلا هو فأرسل الله عليهم جندا من جنوده لم يدخل حصونهم فقط وإنما دخل حتى قلوبهم وجعلهم يسلمون لأمر النبي وهو الرعب الذي ملأ قلوبهم قال النبي نصرت بالرعب مسيرة شهر وقال جلا وعلا وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء فمن الرسل التي سلطها الله عليهم الرعب فهو جند من جنود الله وما يعلم جنود ربك إلا هو ونحن نرى الأن العالم كله وقف وتغير مساره بسبب جند من جنود الله وهو فيروس لا يرى بالعين شل حركة العالم كله وغير مساره وحتى الآن لم يصلوا إلى علاج له لأنه ليس مرضا كسائر الأمراض إنما هو جند من جنود رب العباد.
3. من دروس الغزوة أن من يؤذي الرسول عقابه عاجل وآجل فهؤلاء الذين مكروا بالرسول وأرادوا قتله خربت بيوتهم وسلبت أموالهم وتركوا أوطانهم فهذا درس لكل من يؤذي الرسول بالقول أو بالفعل اعلم أن عقابك عاجلا وآجلا ونحن نرى الذين يؤذون الرسول كيف دمر اقتصادهم لأن المسلمين وإن كانوا بعيدين بعدا كبيرا عن سنة نبيهم وعن منهجه وشرعه إلا أنهم يحبون النبي ويدافعون عنه بدمائهم وأموالهم وأنفسهم لأنه الرجل الذي مكانته في قلوبهم قبل مكانة الولد والمال والنفس وهو الذي سيشفع لهم بين يدي ريهم وهو الذي سيسألون عنه في قبورهم فيقال من هذا الرجل الذي بعث فيكم فمن كان مؤمنا به متبعا له فسيقول هو محمد هو محمد هو محمد
4. من دروس هذه الغزوة أن المكر السيء لا يحيق إلا بأهله فمن مكر وخدع فهو الذي سيجني ثمرة هذا المكر والخداع فهؤلاء مكروا بالنبي وأرادوا خداعه فكانت النتيجة أن سلبت أموالهم وخربت بيوتهم وأخرجوا من ديارهم مذلولين مدحورين غير حاملي للسلاح كما أمر رسول رب العالمين
5. من دروس هذه الغزوة أن الدين لا يكره أحد على الدخول فيه فعندما خرج بنو النضير خرج معهم أبناء للأنصار كانوا يعيشون معهم فتهودوا فأراد آباؤهم أن يمنعوهم فنزل قوله تعالى:(لا إكراه في الدين)( )

