
نصرة النبي صلى الله عليه وسلم
دكتور /رضا عبد المنعم عبد المعبود الخربتاوي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا إنه من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين وظل طوال أيامه ولياليه يمشى على شوك الأسى وجمر الكيد والعنت يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين حتى علم الجاهل وقوم المعوج وطمأن القلق وأمن الخائف ونشر أضواء الحق والنور والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته ولا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله وتسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون
أما بعد
حياكم الله جميعا أيها الإخوة الفضلاء وأيها الآباء الأعزاء وطبتم وطاب سعيكم وممشاكم وتبوأتم جميعا من الجنة منزلا وأسأل الله الحليم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ومستقر رحمته كما جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته ونسأله سبحانه أن يشرح صدورنا وأن ينفس كروبنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن يذهب همومنا وألا يدع لأحد منا ذنبا إلا غفره ولا هما إلا فرجه ولادينا إلا قضاه ولا مبتلا إلا عافاه ولا مريضا إلا شفاه ولا عاصيا إلا هداه ولا طائعا إلا زاده وثبته وقواه ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضاها ويسرها إنه ولى ذلك والقادر عليه ونسأله سبحانه أن يهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال فإنه لا يهدى لأحسنها إلا هو وأن يصرف عنا سيئها فلا يصرف عنا سيئها إلا هو
ثم أما بعد
من سنن الله في كونه أن يخلق ما يشاء ويختار من خلقه ما شاء فلقد خلق الله الخلق واختار من الخلق الأنبياء واختار من الأنبياء الرسل واختار من الرسل أولى العزم الخمسة واختار من أولى العزم محمد وإبراهيم ثم اختار محمد على سائر خلقه فشرح له صدره ورفع له ذكره ووضع عنه وزره وزكاه في كل شيء زكاه في بصره فقال ما زاغ البصر وما طغى وزكاه في لسانه فقال وما ينطق عن الهوى وزكاه في صدره فقال ألم نشرح لك صدرك وزكاه في عقله فقال ما ضل صاحبكم وما غوى وزكاه في حلمه فقال بالمؤمنين رؤوف رحيم وزكاه في علمه فقال علمه شديد القوى وزكاه كله فقال وإنك لعلى خلق عظيم
أغر عليه للنبوة خاتم من نور يلوح ويشهد
وشق له من اسمه ليجلله فذو العرش محمود وهذا محمد
وشق الإله اسم النبي إلى اسمه إذا قال المؤذن في الخمس أشهد
من الله على نبيينا بمنن كثيرة في الدنيا والآخرة وأعطاه الله عطاءات كثيرة في الدنيا والآخرة فمن عطاءات الله لنبيينا
♦ أنه خليل الرحمن
: فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا إني أبرأ إلى كل خل من خله، ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، إن صاحبكم خليل الله وهذه الفضيلة لم تثبت لأحد غير نبينا وإبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام.
♦ ومن فضائله أنه شهيد وبشير
: فعن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يومًا، فصلى على أهل أُحد صلاته على الميت، ثم انصرف إلى المنبر، فقال: “إني فرط لكم -أي سابقكم-، وأنا شهيد عليكم، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني أُعطيت مفاتيح خزائن الأرض، أو مفاتيح الأرض، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها” متفق عليه.
ومن فضائله أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم
: قال تعالى
: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
﴾ [الأحزاب: 6].
- قال الشوكاني في تفسيره “فتح القدير”: “فإذا دعاهم النبي -صلى الله عليه وسلم – لشيء ودعتهم أنفسهم إلى غيره، وجب عليهم أن يقدموا ما دعاهم إليهٍ، ويؤخروا ما دعتهم أنفسهم إليه، ويجب عليهم أن يطيعوه فوق طاعتهم لأنفسهم، ويقدموا طاعته على ما تميل إليه أنفسهم، وتطلبه خواطرهم”.
ومن فضائله صلى الله عليه وسلم أنه سيد ولد بني آدم
: فقد ثبت عن أبي هريرة -رضي الله عنه -أنه قال: “كنا مع النبي- صلى الله عليه وسلم – في دعوة، فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه، فنهس منها نهسه، وقال: أنا سيد القوم يوم القيامة” متفق عليه.
وهو صلى الله عليه وسلم أمان لأمته:
حيث جاء في الحديث الصحيح: “النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون” رواه مسلم
فهو أمان لأمته بل أمان لأهل الأرض جميعا مسلمهم وكافرهم
قال تعالى :(وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغرون )فكان وجود ر سول الله سبب في حجب العذاب عن المشركين ولما مات رسول الله فقد الناس الأمان الأول وبقي الأمان الثاني وهو الاستغفار
أخذ الله له العهد على جميع الأنبياء، –
– ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران: 81].
♦ كان عند أهل الكتاب علم تام به صلى الله عليه وسلم.
﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[الأنعام: 20].
♦ كان نبيا وآدم منجدل في طينته -صلى الله عليه وسلم.-
عن العرباض بن سارية عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ” إني عند الله مكتوب: خاتم النبيين وإن آدم لمجندل في طينته وسأخبركم بأول أمري دعوة إبراهيم وبشارة عيسى ورؤيا أمي التي رأت حين وضعتني وقد خرج لها نور أضاء لها منه قصور الشام
♦ طاعته ومبايعته هي عين طاعة الله ومبايعته. ﴿
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾
[النساء: 80].
♦ الإيمان به مقرون بالإيمان بالله تعالى.
﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا
﴾ [النساء: 136].
♦ هو رحمة للعالمين – صلى الله عليه وسلم– ﴿
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾
[الأنبياء: 107].
يقول الشنقيطي – رحمه الله – ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أر سل هذا النَّبي الكريم- صلوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم. لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خير الدنيا والآخرة إن اتبعوه. ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى. وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلاً قال: لو فجر الله عيناً للخلق غزيرة الماء، سهلة التناول. فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها. فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقي أناس مفرطون كسالى عن العمل. فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين المفجرة في نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها. ويوضح ذلك قوله تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار ﴾[ إبراهيم: 28 ]. وقيل: كونه رحمة للكفار من حيث إن عقوبتهم أخرت بسببه، وأمنوا به عذاب الاستئصال. والأول أظهر.
وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة:
من أنه ما أرسله إلا رحمة للعالمين يدل على أنه جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم. وهذا المعنى جاء موضحاً في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى:
﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب يتلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلك لَرَحْمَةً وذكرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
﴾ [ العنكبوت: 51 ]، وقوله:
﴿ وَمَا كُنتَ ترجوا أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ﴾ [ القصص: 86 ] الآية.
وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة « الكهف » في موضعين منها. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: « إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة
♦ وصفه بالشهادة -صلى الله عليه وسلم–
﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾
[النساء: 41].
♦ كل الأنبياء تحت لوائه -صلى الله عليه وسلم
– عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر وبيدي لواء الحمد ولا فخر وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر قال فيفزع الناس ثلاث فزعات فيأتون آدم فيقولون أنت أبونا آدم فاشفع لنا إلى ربك فيقول إني أذنبت ذنبا أهبطت منه إلى الأرض ولكن ائتوا نوحا فيأتون نوحا فيقول إني دعوت على أهل الأرض دعوة فأهلكوا ولكن اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم فيقول إني كذبت ثلاث كدبات ثم قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله ولكن ائتوا موسى فيأتون موسى فيقول إني قد قتلت نفسا ولكن ائتوا عيسى فيأتون عيسى فيقول إني عبدت من دون الله ولكن ائتوا محمدا قال فيأتونني فأنطلق معهم قال ابن جدعان قال أنس فكأني أنظر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها فيقال من هذا فيقال محمد فيفتحون لي ويرحبون بي فيقولون مرحبا فأخر ساجدا فيلهمني الله من الثناء والحمد فيقال لي ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع وقل يسمع لقولك وهو المقام المحمود الذي قال الله ﴿
عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾
[الإسراء: 79][
♦ إعطاؤه الوسيلة والفضيلة صلى الله عليه وسلم.
( الوسيلة: أعلى منزلة في الجنة ).جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: « من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة»
♦ إعطاؤه الكوثر :-
صلى الله عليه وسلم-( وهو نهر في الجنة ).عن أنس رضي الله عنه قال لما عرج بالنبي- صلى الله عليه وسلم – إلى السماء قال أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفا فقلت ما هذا يا جبريل قال هذا الكوثر
ومما يدل على قدر النبي عند الرب العلي أن الله تولى بذاته العلية الدفاع عنه والذب عن عرضه وتوعد كل من اعتدى على عرضه أو أذاه بالقول أو بالفعل توعده بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة فقال تعالى
إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
سورة الكوثر1-3 الشانئ العدو المبغض الساب الشاتم هذا منقطع الذكر قليل الأثر، هذا هو الذي لا عقب له، ولا يبقى له نسل ولا حسن ذكر، أما أنت يا محمد ﷺ فتبقى ذريتك وصيتك الحسن بين العباد وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك في الآخرة نهر الكوثر والخير الكثير.
عباد الله: لما قام قريش يسبونه ﷺ، وقامت تلك المرأة تقول: “مذمماً عصينا ودينه أبينا”، قال ﷺ: ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مذمماً ويلعنون مذمماً وأنا محمد رواه البخاري ومسلم.
وهكذا دافع الله عن نبيه ﷺ، وذكره بالمقام العظيم في كتابه، وأنزل هذه السور وغيرها من الآيات للدفاع عن محمد ﷺ: ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ سورة القلم1-4 ،
أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ
سورة الشرح1-4، وهكذا رفع ذكره وخفض شانئيه وشأنهم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه وأشهد ألا إله إلا الله تعظيما لشانه وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه اللهم صلى وسلم وبارك عليه وعلى آله وخلانه
أما بعد
صفات الرسول الخُلُقيّة شهد الله -تعالى- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- بكمال الصفات وعِظم الأخلاق، حيث قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)،[١] وهو ما جعل القلوب تتعلّق به وتتخلّى في سبيل حبّه عن كل ما يربطها بالجاهلية، وفيما يأتي بيان بعض الصفات الخُلُقيّة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
الصدق
يُعدّ الصدق من الصفات الأصيلة في شخصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد عُرف في مكة قبل الإسلام بالصادق الأمين، وشهد له بهذه الصفة العظيمة العدو قبل الصديق، إذ لم يعهدوا عليه كذباً قط، وعرفوه صادقاً مع نفسه، وصادقاً مع ربه، ومع أهله والناس أجمعين وقد كان صادقاً في كلامه، وصادقاً في نيّته وأعماله، وأمر -عليه الصلاة والسلام- أمّته بالصدق، واجتناب الكذب، وبيّن لهم أنّ الكذب من صفات المنافقين، حيث قال: (آية المُنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذَبَ، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤْتُمن خان).
التواضع
ضرب رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- أروع الأمثلة بتواضعه، فقد كان -عليه الصلاة والسلام- سيد المتواضعين، حيث كان يجيب دعوة المسلمين فقيرهم وغنيهم، عبدهم وحرهم، ويقبل هديتهم، ويعيد مرضاهم، ويجلس على الأرض والحصير والبساط، وكان يقول: (لا تُطْروني، كما أطْرَتِ النصارى ابنَ مريمَ، فإنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه).[٥][٦] وكان تواضع رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- حجّة على كل متكبّر، فكان يخفض جناحه للصغير والكبير، وللقريب والبعيد، ويلين جنبه لمن يخالطهم، وكان تواضعه سبباً في خدمة أهله والرّفق به، وقد سُئلت أم المؤمنين عائشة -رضى الله عنها- عن فعل النبي في بيته، فقالت: (كان بشرًا من البشرِ: يَفْلِي ثوبَه، و يحلبُ شاتَه، ويخدم نفسَه)،[٧] وكان أبرز ما يظهر من تواضعه مع الضعفاء من الناس وأصحاب الحاجات، فكان إذا مرّ على الصبية الصغار سلّم عليهم، ولاطفهم بكلمة طيبة ولمسة حانية.[٨]
الشجاعة
صفة الشجاعة من الأخلاق العظيمة التي يتحلّى بها الرجال الأقوياء الذين لا يعرفون الخوف ولا يرضون العجز والخور، وقد حثّ الله -تعالى- عباده على التحلّي بهذه الصفة العظيمة، فالمؤمن القوي خيرٌ وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثالاً يُقتدى به في الشجاعة والثبات، والمواقف في سيرته العطرة خير دليلٍ على ذلك، فعندما تآمر كفار قريش على قتله، وأحاط فرسانهم المدجّجين بالسلاح بمنزله، لم يرتعد له طرف، ولا ارتجف له جفن، بل كان ثابت القلب شجاعاً، حتى إنه نام في فراشه تلك الليلة، ثم خرج عليهم في منتصف الليل وحثا التراب على وجوههم ثم مضى في طريقه.
الرحمة
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرحم الناس، فقد قال -تعالى-: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)،[١٠] وممّا يدل على أنّ الرحمة متأصّلة في قلب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ردّه عندما قيل له أُدع على المشركين، حيث قال: (إني لم أُبعَثْ لعَّانًا، وإنما بُعِثتُ رحمةً)،[١١] وقال الله -تعالى- مخاطباً رسوله عليه الصلاة والسلام: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).[١٢] وقد حث -عليه الصلاة والسلام- أمته على التحلي بخلق الرحمة، حيث قال: (الرَّاحمونَ يرحمُهُمُ الرَّحمنُ، ارحَموا من في الأرضِ يرحَمْكم من في السَّماءِ)،[١٣][٦] وكان إذا سمع بكاء الصبي وهو في صلاة الجماعة فيسرع في الصلاة رحمةً بأمّه، وكان يحمل ابنة بنته وهو يصلّي إذا قام حملها وإذا سجد وضعها.[١٤]
دائماً للبشر
كان -صلى الله عليه وسلم- دائم البشر، سهل الخلق، ليّن الجانب، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يُيَئّس راجيه، وإذا تكلّم جلس الصحابة يستمعون له كأنّما على رؤوسهم الطير، وإذا سكت تكلّموا، وكان لا يقطع على أحدٍ حديثه.
العدل
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مثالاً يُقتدى به في العدل، وكانت أفعاله وأقواله وحياته كلّها تطبيقاً واقعياً لهذه الصفة الخُلقية العظيمة، فقد قال: (سبعةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تعالى في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ)، وذكر منهم: (إمامٌ عدلٌ)، وقد حذّر أمّته من الظلم أشد التحذير، حيث قال: (مَن أعانَ علَى خصومةٍ بظُلمٍ، أو يعينُ علَى ظُلمٍ، لم يزَلْ في سخطِ اللَّهِ حتَّى ينزعَ).[ ومن أبرز المواقف الدالة على عدله؛ إقامته لشرع الله -تعالى- ولو على أقرب النّاس إليه، فقد رُوي عن رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- في حادثة المرأة المخزومية التي سرقت أنّه قال: (والذي نفسُ محمدٍ بيده، لو أنّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقتْ لقطعتُ يدَها)،[١٨] بالإضافة إلى عدله بين أزواجه، وتحمّل ما قد يقع من بعضهن بسبب الغيرة.[٦]
الصفح والعفو
كان العفو سجيّة جليّة من سجاياه -عليه السلام-، وكان عفوه دليلٌ أبلجٌ على أنّ الإسلام لا يحمل الحقد على أحد، وإنّما هو رسالة تحمل العفو والصّفح عمّن ظلم وأساء، وعندما جاء يوم فتح مكة، كان -عليه السلام- مستحضراً لما فعله مشركو قريش من أذى، واضطهاد، وقتل، وإبعاد للمؤمنين، لكنّه غلّب جانب العفو والغفران، وعفا عنهم جميعاً.[
الكرم
كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- مثالاً يقتدى به في الجود والكرم، فقد كان يعطي من غير أن يفكر للحظةٍ بالفقر، أو نقص المال؛ لأنّه كان موقناً بأنّ الرزق بيد الله عزّ وجلّ، وعلى ثقةٍ بفضله سبحانه وتعالى، وقد دلّ على ذلك قول أنس بن مالك رضي الله عنه: (ما سُئل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على الإسلامِ شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجلٌ فأعطاه غنمًا بين جبلَينِ، فرجع إلى قومِه، فقال: يا قومُ أسلِموا، فإنَّ محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقةَ).[ وروي أنّ امرأة أهدت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- شملةً منسوجةً، فلبسها النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وهو محتاج إليها، وبينما هو جالسٌ مع أصحابه رضي الله عنهم، رآها رجلٌ منهم، فقال: (يا رسولَ اللهِ، ما أحسنَ هذه، فاكسُنيها، فقال: نعم، وبعدما ذهب النبيّ عليه الصّلاة والسّلام، لامَه أصحابُه، قالوا: ما أحسنتَ حين رأيتَ النبيَّ -صلّى الله عليه وسلّم- أخذها محتاجًا إليها، ثمّ سألتَه إياها، وقد عرفتَ أنّه لا يُسألُ شيئًا فيمنعَه، فقال: رجوتُ بركتَها حين لبِسَها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، لعلي أُكفَّنُ فيها).[
مما يدل على علو قدر النبي أن شهد له أعداءه بمكانته ومنزلته وصدق رسالته
شهادة الكفار في حق نبيينا
عباد الله: لقد أنصف بعض الكفار نبينا ﷺ لما اقرؤوا سيرته من عظم أخلاقه، ومن عظم هذه الحياة التي تركت وراءه مسطرة، فرضوان الله عن أصحاب ما فوتوا صغيرة ولا كبيرة إلا ونقلوها من شأنه ﷺ، ولا يوجد رجل في العالم لا في القديم ولا في الحديث، لا من المسلمين ولا من الكفار، سيرته منقولة بهذه الدقة، فهل رأيت في العالم من نقلت صفته وسيرته وأحداث حياته كمحمد ﷺ؟
ولذلك يقول مايكل هارت
في الخالدين المائة وقد جعل على رأسهم سيدنا محمداً ﷺ: لقد اخترت محمداً ﷺ في أول هذه القائمة؛ لأنه هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي، قد دعا إلى الإسلام، وأصبح قائداً سياسياً، وعسكرياً، ودينياً، وبعد ثلاث عشرة سنة من وفاته فإن أثر محمد u ما يزال قوياً متجدداً، وقال: ولما كان محمد ﷺ قوة جبارة لا يستهان بها فيمكن أن يقال أيضاً: إنه أعظم زعيم سياسي عرفه التاريخ.
أما برنارد شو الإنجليزي
وله مؤلف اسمه: محمد، قد أحرقته سلطات بلاده يقول فيه: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد ﷺ، وإن رجال الدين في القرون الوسطى ونتيجة للجهل أو التعصب قد رسموا لدين محمد صورة قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدواً للمسيحية، لكنني اطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدواً للمسيحية بل يجب أن يسمى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السعادة والسلام التي يرنو إليها البشر
نصرة النبي صلى الله عليه وسلم تكون بمحبته أكثر من المال والأهل والولد وهذا شرط كمال الإيمان
نصرة النبي تكون بطاعته فيما أمر والانتهاء عن كل ما نهى عنه وزجر لأن طاعة النبي طاعة للرب العلي ومعصية النبي معصية للرب العلي
نصرة النبي تكون بالدفاع عن سنته وتبليغ دعوته ورسالته لأن هذا أمر كلفنا به النبي صلى الله عليه وسلم فقال :(بلغوا عني ولو آية )
بلغو تكليف عني تشريف ولو آية تخفيف
وبين النبي أن الرجل لا يكون من أتباع النبي حقا حتى يدعو إلى ما دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال تعالى :(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن )
قال ابن القيم :(ولا يكون الرجل من أتباع النبي حقا حتى يدعوا إلى ما دعا إليه النبي على بصيرة
نصرة النبي واجب علينا جميعا فمن رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة
فإذا كان هذا جزاء من يرد عنم عرض سائر المؤمنين فما بالك بمن يرد عن عرض سيد النبيين
اللهم اجعل جمعنا هذا مرحوما وتفرقنا من بعده معصوما ولا تجعل فينا ولا منا ولا بيننا شقيا ولا محروما
لاتدع لأحد منا ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولادينا إلا قضيته ولا طالب علم إلا نجحته ووفقته ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضيتها وسهلتها ويسرتها يارب العالمين
اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا رب ارحمهما كما ربيانا صغارا
وارحم موتانا وموتى المسلمين وارحمنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه
اللهم ارزقنا القناعة وحببنا فغي صلاة الجماعة وذكرنا بالموت كل ساعة واحشرنا مع النبي صاحب الشفاعة
اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك الأمين ونعوذ بك من شر ما استعاذك منه نبيك الأمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين([1])
____________________________________________________
[1] )1- ماهي صفات رسول الله الخَلقية والخُلقية لعائشة نوفل
2-مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند الرب العلي
3- انصر نبيك يا مسلم للشيخ محمد المنجد
3-حق المصطفى للشيخ محمد حسان

