
من أثار الذنوب والمعاصي
من أثار الذنوب والمعاصي
الدكتور: رضا بن عبد المنعم بن عبد المعبود بن الخربتاوي
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك ونشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة فكشف الله به الغمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين وظل طوال أيامه ولياليه يمشى على شوك الأسى وجمر الكيد والعنت يلتمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين حتى علم الجاهل وقوم المعوج وطمأن القلق وأمن الخائف ونشر أضواء الحق والنور والتوحيد كما تنشر الشمس ضياءها في رابعة النهار فاللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبيا عن أمته ورسولا عن دعوته ورسالته ولا تفرق بيننا وبينه حتى تدخلنا مدخله وتسقنا من يده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتهم مسلمون
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما
يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون
أما بعد حياكم الله جميعا أيها الإخوة الفضلاء وأيها الآباء الأعزاء وطبتم وطاب سعيكم وممشاكم وتبوأتم جميعا من الجنة منزلا وأسأل الله الحليم الكريم أن يجمعنا في دار كرامته ومستقر رحمته كما جمعنا في هذا البيت المبارك على طاعته ونسأله سبحانه أن يشرح صدورنا وأن ينفس كروبنا وأن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا وأن يذهب همومنا وألا يدع لأحد منا ذنبا إلا غفره ولا هما إلا فرجه ولادينا إلا قضاه ولا مبتلا إلا عافاه ولا مريضا إلا شفاه ولا عاصيا إلا هداه ولا طائعا إلا زاده وثبته وقواه ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة إلا قضاها ويسرها إنه ولى ذلك والقادر عليه ونسأله سبحانه أن يهدنا لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال فإنه لا يهدى لأحسنها إلا هو وأن يصرف عنا سيئها فلا يصرف عنا سيئها إلا هو
أما بعد قال تعالى:(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الّذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق)
وقال تعالى:(أولم يروا كم أهلكنا قبلهم من قرن مكناهم في الأرض مالم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجرى من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين)
في هذه الآيات وغيرها من الآيات يدعونا الله إلى التأمل والتفكر في مصير من كانوا قبلنا كيف أن الله أعطاهم من النعم ومكن لهم وكان لهم من الإعمار في الأرض مالم يكن لنا لكنهم كذبوا الرسل ولم يمتثلوا لله أمرا ولم يجتنبوا له نهيا لذلك أهلكهم الله ودمرهم بذنوبهم
فهذا دليل على أن الذنوب سبب لخراب البلاد وهلاك العباد
قال ابن القيم وهل في الدنيا وشر وبلاء إلا سببه الذنوب والمعاصي
فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار النعيم وأهبطهما إلى الأرض دار المصائب والآلام والأحزان
وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء ومسخ ظاهره وباطنه فجعل ظاهره أقبح صورة وباطنه أقبح من ظاهره وأبدله بعد الجنة نارا تلظى وبعد القرب بعدا وبعد الموالاة أعظم معاداة وبعد لباس الإيمان لبس الكفر والفسوق والعصيان وبعد الطاعة معصية وبعد الانشغال بالذكر والتسبيح إلى الانشغال بالوسوسة والتخنيس
وما الذي أغرق أهل الأرض حتى علا الماء قمم الجبال
وما الذي أرسل على عاد ريحا صرصرا عاتية فجعلتهم كأنهم أعجاز نخل خاوية
وما الذي أرسل على ثمود الصيحة فقطعت قلوبهم في أجوافهم فماتوا عن آخرهم
وما الذي رفع قرى قوم لوط إلى عنان السماء ثم دكها في الأرض وأتبعها حجارة من سجيل منضود
وما الذي أرسل على قوم شعيب سحب العذاب فلما أظلتهم أمطرت عليهم نارا تلظى
وما الذي أغرق فرعون وقومه ونقل أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغرق والأرواح للحرق
وما الذي أرسل على بني اسرائيل قوما أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار فقتلوا الرجال وسبوا الذراري والنساء ونهبوا الأموال ثم أرسلهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما استطاعوا إهلاكه وتبروا ما علو تتبيرا
إنها الذنوب المهلكات قال تعالى:(فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)
عباد الله إن للذنوب أثرا يريه الله عباده في الدنيا حتى يرجعوا إليه وينيبوا إليه
ومن آثار الذنوب
1-الفساد في الأرض والبر والبحر والزرع والضرع
قال تعالى:(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون )
والمراد بالفساد العقوبات فكلما أحدث الناس ذنبا أحدث الله لهم عقوبة
ونحن نرى الأن العقوبات تترى علينا من غلاء في الأسعار ونقص في الأمطار وجور من السلطان وأمراض لم يسمع عنها طول الأعمار
قال النبي صلى الله عليه وسلم:(يا معشر المهاجرين خمس إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بشدة المئونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم
2-من عقوبات الذنوب والمعاصي (زوال النعم)
فلقد زال عن آدم نعيم لم تراه العين ولم تسمعه أذن ولا خطر على قلب بشر بسبب معصية واحدة
ولقد زال الملك عن فرعون بسبب المعصية
وزال المال عن قارون بسبب المعصية
فالمعاصي تزيل النعم فإذا كنت في نعمة فارعها
فإن المعاصي تزيل النعم
وحطها بطاعة رب العباد
فرب العباد سريع النقم
3-ومن عقوبات المعاصي(محق البركة )
فالمعصية تمحق بركة الوقت والمال والقول والعمل والطاعة وبالجملة تمحق بركة الدنيا والدين وجد أحد الصالحين صرة فيها حبات من القمح الحبة تعدل نواة التمر وفيها رقعة مكتوب عليها كان هذا ينبت في زمان العدل كان هذا ينبت حينما كان الناس يتقون رب الناس لكن الأن الناس يحصدون القمح قشر ليس فيه دقيق بسبب الذنوب بسبب ما تبثه الفضائيات من عرى وفحش وزنا عيانا بيانا جهارا نهارا وبسبب ما تبثه الشبكة العنكبوتية من سموم قاتلة فحتى تعود لنا البركة مرة ثانية فلابد من العودة إلى الله لابد أن نحفظ جوارحنا عن محارمه جلا علاه قال تعالى:(ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون
4-من عقوبات المعاصي (هزيمة الجيوش وإصابة الأمة بالذل والهوان وتسلط الأعداء عليها
قال تعالى إن تنصروا الله ينصركم
إن تنصروا الله على أنفسكم ينصركم على عدوكم
لكن إذا لم تنصروا الله على أنفسكم وبارزتموه بالمعصية تساويتم مع عدوكم في المعصية ففاقوكم في العدد والعدة فانتصروا عليكم
فيوم أن نصر المسلمون ربهم على أنفسهم يوم بدر نصرهم على عدوهم على الرغم من أن عدد عدوهم ثلاثة أضعاف عددهم
لكن يوم أحد عصا المسلمون ربهم وخالفوا أمر نبيهم حينها انتصر عليهم عدوهم فتعجب المسلمون من ذلك كيف هزموا وقائدهم رسول الله وهم المسلمون وعدوهم كافرون وهم الطائعون وعدوهم عاصون فكان الجواب أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم
5- من عقوبات المعاصي(ظلمة القلب وسواد الوجه وضعف البدن والحرمان من العلم والرزق)
فكل ذنب ينكت في القلب نكتة سوداء حتى يظلم القلب وإذا أظلم القلب ضاق الصدر وشعر الإنسان بالضنك والهم والحزن
وإذا استنار القلب انشرح الصدر وشعر الإنسان بالقناعة والرضا وهذه هي السعادة الحقيقة أن يكون الإنسان رضي عن ربه وعن نفسه وقانع بما معه حتى ولولم يملك إلا قوت يومه فيشعر بأنه أغنى الناس لأن الغنى ليس عن كثرة العرض ولكن الغنا غنى النفس
والفقر ليست قلة ذات اليد ولكن الفقر فقر النفس وهذا هو الفقر الذي استعاذ منه النبي فكان يقول اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر والمراد بالفقر فقر النفس كلما رأى شيئا تمناه وأراد أخذه ولو بغير حق هذا فقر النفس الذي استعاذ منه النبي
فالشاهد أن الإنسان حتى ينشرح صدره ويذهب همه ويرضى ويقنع وبالتالي يشعر بالغنا والسعادة فلابد أن يبتعد عن المعصية
الخطبة الثانية
6-ومن عقوبات المعاصي(طمس البصيرة)
فالرؤية الحقيقة رؤية القلب وليست رؤية العين والعمى الحقيقي عمى القلب وليس عمى العين قال تعالى:(إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )
فحتى لا يعمى القلب ولا تطمس بصيرته فلابد من الابتعاد عن الذنوب لأن الذنب يورد ظلمة في القلب كل ذنب ينكت في القلب نكتة سوداء وذنب وراء ذنب يعنى نكتة وراء نكتة فيغلف القلب بغلاف الران الذي قال عنه الرحيم الرحمن كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون فساعتها ينطفئ نوره ولا يرى الأشياء على حقيقتها فيرى المعروف منكرا والمنكر معروفا ويرى الحق باطل والباطل حق
وهذا هو السر في تكذيب الناس للصادق وتصديقه للكاذب وتخوينهم للأمين وتأمينهم للخائن بسبب عمى القلوب وطمس البصائر وقد أخبر النبي أن ذلك سيكون فقال سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويخون فيها الأمين ويؤمن فيها الخائن وينطق فيها الرويبضة
7-من عقوبات المعاصي(الذل والهوان على الله وعلى الناس)
قال تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا أي فليطلبها بطاعة الله
وقال تعالى ومن يهن الله أي بسبب معصيته فماله من مكرم
وقال تعالى:(والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة سيئة مثلها وترهقهم ذلة كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما)
وكان من دعاء أحد السلف اللهم أعزني بطاعتك ولا تزلني بمعصيتك
روى الإمام أحمد في الزهد عن جبير بن نفير قال لما فتحت خيبر وفرق بين أهلها فبكى بعضهم إلى بعض فجلس أبو الدرداء يبكي فقال جبير يا أبا الدرداء تبكي في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله فقال ويحك يا جبير ما أهون العباد على الله إذا أضاعوا أمره بينما هي أمة قاهرة ظاهرة أضاعوا أمر الله فصاروا إلى ما ترى
8- من عقوبات المعاصي(سوء الخاتمة)
فالخواتيم ميراث السوابق من عاش على شيء مات عليه ومن مات على شيء بعث عليه فمن عاش على الطاعة مات على الطاعة ومن عاش على المعصية مات على المعصية
فالإنسان إذا عاش على المعصية فعند الموت لن يستطيع أن ينطق بالشهادة لأن اللسان مغرفة القلب فإذا كان في القلب طاعة سينطق بالطاعة وإذا كان في القلب معصية سينطق بالمعصية رغما عنك قال تعالى أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم فحتى ينطق لسانك بالطاعة في الحياة وعند الممات فلابد أن تملأ قلبك بالإيمان وطاعة الرحيم الرحمن
9-من عقوبات المعاصي(دخول النار)
قال تعالى:(بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:(إياكم ومحقرات الذنوب فإنها إذا اجتمعن على المرء أهلكنه)

