
العفة معناها وأهميتها وفوائدها وكيف نحققها ومجالاتها
تمهيد
من أجل الأخلاق الرفيعة التي حث عليها الإسلام خلق هو سبب لضبط النفس وتحقيق المروءة والعزة والكرامة هو خلق سبب لنيل رضا الله ومحبة الناس هو خلق سبب لأن يظل الإنسان في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله هو خلق سبب لتفريج الكربات والشدائد والبلاءات هو خلق سبب لأن ينال الإنسان معونة الرحمن هو خلق سبب للنجاة من مهالك يوم القيامة هو خلق سبب لنيل أعلى منازل الجنان إنه خلق العفاف
معنى العفة وأهميتها
العفة هي كف النفس عن المحرمات فهذا الخُلق له أهمية كبيرة لأن وجوده في المجتمع سيؤدى إلى حفظ الأعراض وإشاعة الأمن والألفة والمحبة بين الناس هذا الخلق إذا تجرد منه المجتمع انتشرت الفواحش وعم البلاء وسادت الكراهية والبغضاء
تتضح أهمية هذا الخلق عندما قرن الله بينه وبين التوحيد في آية واحدة فقال جل وعلا :والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون فقرن الله بين التوحيد وبين العفاف فهذا يدل على أهمية خلق العفاف ويدل أيضا على أن أعظم ذنب بعد الشرك هو التجرد من خلق العفاف لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ما من ذنب أعظم عند الله بعد الشرك من أن يضع الرجل نطفته في فرج لا يحل له ومما يدل على أهمية خلق العفاف أن النبي وهو من هو في تحليه بالأخلاق كان يدعو الله أن يحليه بهذا الخلق فكان من دعاءه اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى
فوائد العفة وثمراتها
إذا تحلى المسلم بخلق العفاف فإنه يجنى ثمرات كثيرة منها
1. الخروج من كل ضيق وكرب وبلاء وشدة
ومما يدل على ذلك أن الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار انحدرت صخرة فسدت عليهم باب الغار فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم فكان من بينهم رجل توسل إلى الله بخلق العفاف توسل إلى الله بتعففه عن الزنا مع قدرته عليه فقال اللهم إنه كانت لي ابنة عم وكانت من أحب الناس إلى وكنت أريدها عن نفسها فأبت إلا أن أعطيها مائة دينار فاجتهدت حتى جمعتها ثم أعطيتها لها فأمكنتني من نفسها فلما قعدت بين رجليها قالت اتقى الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت عنها قال العلماء كان هذا الرجل هو أفضل الثلاثة لأنه تعفف عن شهوة هي من أشد الشهوات في جسم الإنسان جعل الله شهوة الرجل إلى النساء من أشد الشهوات لأن تكاليف النكاح كثيرة وأعباءه كبيرة لذلك جعل الله شهوة النكاح من أشد الشهوات حتى يتحمل الشباب أعباء النكاح وتكاليفه فهذا الرجل نظرا لأنه تعفف عن شهوة هي من أشد الشهوات وتعفف عن امرأة هي من أحب الناس إليه فكانت نتيجة هذه العفة النجاة من الكرب والضيق والشدة
2. من ثمار العفة معونة الله
الإنسان العفيف يعينه الله على أمر دينه ودنياه والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ثلاث حق على الله أن يعينهم وذكر منهم الناكح يريد العفاف فالذي يتزوج يريد بذلك أن يعف نفسه فالله يعينه فدل ذلك على أن العفة طلبها وتحقيقها سبب لنيل معونة الله
3. من ثمار العفة أن المتعفف يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله
يوم القيامة حين تدنو الشمس من الرؤوس ويغرق الناس في عرقهم على قدر أعمالهم فلا ظل في هذا اليوم إلا ظل عرش الرحمن ولا يظل في هذا اليوم إلا سبعة أصناف من الناس من هؤلاء المتعفف الذي تحلى بخلق العفاف قال النبي ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله فالمرأة هي الداعية وهى ليست أي امرأة بل ذات منصب وجمال فكانت النتيجة أن ظهر عفافة ونطقت عفته التي تحلى بها فقال إني أخاف الله
4. من ثمار تحقيق العفة النجاة يوم القيامة
قال النبي الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام
فمعنى قوله فمن اتقى الشبهات أي تعفف عن الخرام وعما فيه شبهة حرام فكانت النتيجة فقد استبرأ لدينه وعرضه ونجا من مهالك وكرب يوم القيامة
5. من ثمار العفة نيل أعلى منازل الجنان وهي الفردوس الأعلى
فالله عز وجل حينما ذكر صفات المؤمنين بين أن من صفاتهم تحليهم بخلق العفاف فتعففوا عن أعراض الناس وتعففوا عن أموال الناس فقال جلا وعلا والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون والذين هم على صلواتهم يحافظون فلما تعففوا عن أعراض الناس وعن أموال الناس إذا كانوا مسئولين في مكان لم يرتعوا في أموال الناس ولم يستغلوا مناصبهم في نهب أموال الناس لذلك كان جزاؤهم أن ورثوا الفردوس هم فيها خالدون
أسباب ووسائل تحقيق العفة
1. الدعاء
فالقلوب يملكها علام الغيوب وهي بين إصبعين من أصابعه فمن شاء أقامه ومن شاء أزاغه فلا تغتر بعلم وبعبادة ولا بشيء لأنك قد تكون عابدا مطيعا محبا للطاعة وفي لحظة واحدة ينقلب قلبك ويصبح محبا للمعصية والفجور لذلك كان من أكثر دعاء النبي اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك والنفس زكاتها وطهارتها بيد الله فمن شاء زكاه كما قال تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما ذكى منكم من أحد أبدا فنظرا لأن القلوب يملكها علام الغيوب والنفوس زكاتها بإرادة الملك لذلك لزمنا أن نلجأ إلى الله أن يطهر قلوبنا ويذكى نفوسنا وأن يرزقنا العفاف فلقد كان النبي وهو من هو في سمو الأخلاق ورفعتها يدعو الله أن يحليه بخلق العفاف فكان يقول في دعاءه اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى وما نجا يوسف من فعل الفاحشة وجعله يتحلى بخلق العفاف إلا الدعاء فقال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون
2. المراقبة
أن يستشعر المسلم قرب ربه منه واطلاعه عليه وإحاطته به وأنه يسمع صوته ويرى مكانه ويعلم حاله ولا يخفى عليه شيء من أمره قال تعالى:(يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور )
قال ابن عباس هو الرجل يكون بين القوم فتمر بهم المرأة فإذا رأى عيون الناس تنظر إليه غض عنها وإذا رأى عيون الناس غابت عنه نظر إليها فهذا استحى من الناس ولم يستحى من رب الناس قيل لأحد السلف بما تستعين على غض البصر قال بعلمي أن نظر الله إلى أسبق إلي من نظري أليها ولما خلا الأعرابي بالمرأة وأراد أن يفعل الفاحشة قالت اذهب فأغلق الأبواب فذهب ثم عاد فقال أغلقتها قالت بقي باب لم تغلقه فأخذ ينظر يمينا وشمالا فقال وأين هو قالت باب السماء فارتعدت فرائصه وتعفف عن الحرام حين جعلته يشعر بقرب الله واطلاعه وإحاطته
المراقبة هي التي جعلت راعي الغنم يتعفف عن المال الحرام حين قال له ابن عمر بعني شاة وقل لسيدك أكلها الذئب فقال إذا كان سيدى لا يراني فأين الله
3. التقرب إلى الله بالنوافل
قال تعالى ولايزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي عليها وإن سألني لأعطينه وإن استعاذني لأ عيذنه فمعنى أن يكون الله سمعك وبصرك ويدك ورجلك أي يعصم جوارحك كلها فلا ترى إلا ما يرضيه ولا تسمع إلا ما يرضيه ولا تفعل إلا ما يرضيه وبذلك تكون العفة قد تحققت
4. الزواج
فالزواج أغض للبصر وأحصن للفرج كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الزواج نصف الدين كما قال النبي الأمين من رزقه الله زوجة صالحة فقد أعانه على نصف دينه فليتق الله في النصف الآخر فالزواج نصف الدين لأن الإنسان مركب من شهوتين شهوة البطن وشهوة الفرج فإذا تزوج يكون بذلك قد نجا من شهوة الفرج بقيت شهوة البطن فلو اتقى الله في مطعمه ومشربه وملبسه يكون بذلك قد نجا من الشهوات كلها
5. الصوم
فالصيام جعله النبي عديلا للزواج لأنه يقوم مقام الزواج في إحصان النفس وحمايتها فقال النبي فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء أي وقاية وحماية فالصيام وقاية من الشهوات ووقاية من الشيطان ووقاية من النار كما قال النبي المختار من صام يوما في سبيل اله باعد بينه وبين النار سبعين خريفا فالصيام يحقق العفاف لأن البطن إذا خلت من الطعام بالصيام انطفئت الشهوة وإذا امتلأت البطن بالطعام تحركت الشهوة وفكر الإنسان في الحرام عياذا بالله
6. الصحبة الصالحة
فمما يدل على أن الصحبة لها أثر كبير في تحقيق العفة أن امرأة العزيز لما ذاع خبر مراودتها يوسف بين النساء نظرا لأنهن نساء سوء انضممن إليها وأخذن يشجعن يوسف على الاستجابة لطلبها فقال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه
الخطبة الثانية
ليست العفة قاصرة على حفظ الفرج والتعفف عن الزنا فقط بل من مجالات العفة حفظ اللسان وعفته عن أعراض الناس فلا يكون المسلم مسلما حتى يسلم الناس من لسانه فلا يغتاب ولا ينم ولا يكذب ولا يسب ولا يقذف ولا يهمز ولا يلمز ولا يفرى في أعراض الناس ولا يكون المؤمن مؤمنا حتى يأمنه الناس على دماءهم وأموالهم وأعراضهم
كذلك من مجالات العفة التعفف عن سؤال الناس والحرص على العمل والكد حتى يأكل الإنسان من عمل يده فلقد كان نبي الله داود على الرغم من ثراءه كان يعمل ويكد حتى يأكل من عمل يده ولقد ضرب لنا الصحابة أروع المثل في الاعتماد على العمل والكد في كسب لقمة العيش فحينما هاجروا إلى المدينة أراد الأنصار أن يقتسموا بينهم وبين إخوانهم المهاجرون الأموال والدور فأبى المهاجرون وذهبوا إلى الأسواق وباعوا واشتروا حتى أغناهم الله من فضله ومنهم من أخذ الأرض يزرعها ويكد ويعمل مقابل أن يأخذ جزءا من خراجها وهكذا كانوا عفيفين في كسب لقمة عيشهم ولا يعتمدون على غيرهم
كذلك من مجالات العفة أن تعفف عن أمانات الناس وأموالهم فإذا كنت مسئولا في مكان فلا تستغل منصبك في أكل أموال الناس بالباطل ولا تعطل مصالح الناس من أجل أن تتقاضى منهم الأموال فالجزاء من جنس العمل إذا عقفت عن أموال الناس سيعف الناس عن مالك وإذا رتعت في أموال الناس سيسلط الله عليك من يرتع في مالك لما فتحت بلاد فارس في عهد عمر وجيء بالأموال ووضعت أمام عمر نظر إليها وبكى ثم قال إن جيشا يتعفف عن أخذ شيء من هذه الأموال ويرسل بها كلها مع ما فيها من أموال صغيرة وكبيرة إنه لجيش عفيف
فقال على بن أبي طالب يا أمير المؤمنين عقفت فعفوا ولو رتعت لرتعوا([1])
[1] )من مقال العفة كيبيديا الموسوعة الحرة
ومن خطبة العفة طريق الجنة للشيخ محمود بن أحمد الدوسري

