الغضب معناه وأنواعه وأسبابه وطرق علاجه

الغضب معناه وأنواعه وأسبابه وطرق علاجه

 

معنى الغضب لغة واصطلاحا

إن من الأخلاق السيئة التي حذر منها الإسلام خُلق يندرج تحته كل شر وينتج عنه كل رذيلة إنه خلق سبب في أن يسيطر الشيطان على الإنسان ويتلاعب به ، إنه خلق بسببه قتل من قتل واعتدى من اعتدى وطلق زوجته من طلق وترك عمله واعتدى على مديره في العمل من اعتدى   بسبب هذا الخلق إنه خلق الغضب

عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أوصني قال لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب والغضب لغة: قال ابن فارس الغين والضاد والباء أصل صحيح معناه القوة والشدة يقال غضبة أي الصخرة الشديدة الصلبة ومنه اشتق الغضب أي شدة السخط أما الغضب في الاصطلاح فهو تغير يحدث عند غليان دم القلب طلبا للتشفي والانتقام

أنواع الغضب

ينقسم الغضب إلى ثلاثة أقسام  الغضب المحمود والغضب المذموم والغضب المباح

أولا الغضب المحمود وهو الغضب لله أو للدين أو لانتهاك حرمات الله وهذا النوع من الغضب ثمرة من ثمرات الإيمان فمن كان عنده إيمان فإنه يغضب إذا رأى حرمات الله تنتهك أما من لم يغضب لله فهذا دليل على عدم وجود الإيمان في القلب ومن أمثلة هذا النوع من الغضب غضب موسى حينما رأى قومه يعبدون العجل من دون الله فغضب موسى   قال تعالى ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا….. ومن هذا الغضب غضب النبي حينما كانت تنتهك حرمات الله فكان يغضب حتى يرى في وجهه الغضب

ثانيا الغضب المذموم وهو الغضب للنفس أو للحمية أو العصبية ومن هذا الغضب ما صدر عن أبي ذر حينما سب رجل فعيره بأمه فقال له النبي إنك امرؤ فيك جاهلية أعيرته بأمه فالنبي اعترض  عليه لأن غضبه كان لنفسه وكان عصبية وكان حمية ومن هذا النوع من الغضب ما صدر عن الصحابة في فتنة بن الزبير في عهد يزيد بن معاوية فجاء الناس لابن عمر فقالوا له ما يمنعك أن تخرج والله يقول وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فقال لقد قاتلنا في عهد النبي حتى لا تكون فتنة أما أنتم فتريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله فالغضب لابد حتى يكون محمودا لابد أن ينضبط بضوابط الشرع

ثالثا الغضب المباح وهو أن يعتدى أحد على دمك أو مالك أو عرضك فتغضب دفاعا وهذا غضب مباح لأنه ليس فيه معصية ولكن الأفضل أن تصبر وتكظم غيظك طلبا للأجر من الله

وقد ضرب السلف أروع الأمثلة في كظم الغيظ وترك الغضب فهذا عمر بن الخطاب دخل عليه عيينة بن حصن فقال له يا أمير المؤمنين إنك لا تحكم فينا بالعدل ولا تعطينا الجزل فهم عمر أن يفتك به فقال له الحر بن قيس مهلا يا أمير المؤمنين فإن الله قال لنبيه خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وهذا من الجاهلين فما تجاوزها عمر وكان وقافا على كتاب الله

وهذا ميمون بن مهران عندما جاءه ضيوف فاستعجل الجارية لإحضار العشاء فجاءت الجارية مسرعة فعثرت فوقعت قصعة الطعام على رأس سيدها ميمون بن مهران فقال أحرقتني يا جارية فقالت يا سيدى ارجع إلى قول الله قالت وما قال الله قالت قال تعالى والكاظمين الغيظ فقال كظمت غيظي قالت والعافين عن الناس قال عفوت عنك قالت زد فإن الله يقول والله يحب المحسنين فقال أنت حرة لوجه الله

أسباب الغضب

أولا (العجب والكبر) فالإنسان المعجب بنفسه أو بعلمه أو بقوله أو برأيه إذا خالفه أحد غضب وعلا صوته واشتد غضبه لذلك حذرنا النبي من العجب والكبر فقال النبي لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر وقد بين النبي أن الكبر ليس معناه أن تلبس جميلا وأن يكون نعلك جميل وإنما الكبر هو بطر الحق وغمط الناس

وقد ضرب العلماء أروع الأمثلة في التواضع وترك العجب بأقوالهم أو أراءهم فهذا الشافعي يقول رأى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب

ثانيا (المراء) فالمرائي لا يريد من مراءه إلا إظهار مزيته وبيان صحة قوله وإظهار عيب غيره وخطأه فيترتب على ذلك غضب الطرف الأخر لذلك حثنا الإسلام على ترك المراء فقال النبي أنا زعيم ببيت بربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا

فإذا كنت تجادل أحد وأنت على حق وهو لا يريد أن يقتنع قل له أنت على حق واترك المراء حتى لا تغضب أو يغضب هو وتقع العداوة

ثالثا (كثرة المزاح) المزاح أوله فرح وأخره ترح لذلك ينبغي أن يكون المزاح كالملح للطعام قليله يكفي لكن إذا زاد الملح عن حده أفسد الطعام كذلك إذا زاد المزاح عن حده أفسد المجالس ووقع الغضب و العداوة والبغضاء لذلك النبي كان يمزح ولكن لا يقول إلا الحق وكان لا يكثر من المزاح وإنما كان مجلسه كله به طرفه أو طرفتين أما أن يكون المجلس كله من مزحه إلى مزحه فلاشك أن هذا سبب لوقوع الغضب وتحول المودة إلى بغضاء وكراهية

رابعا (الفحش وبذاءة اللسان) فالشيطان ينزغ إذا أساء الناس الكلم بينهم لذلك أمرنا الله بأن نقول التي هي أحسن لأن الشيطان ينزغ ويترتب على ذلك الغضب والعداوة وبين النبي أن المسلم لا يتحقق إسلامه إلا إذا سلم المسلمون من لسانه ويده فقال صلى الله عليه وسلم :(المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )وقال صلى الله عليه وسلم ليس المسلم بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)

خامسا (الصحبة السيئة) فرفقاء السوء بسبب عدم إيمانهم بالثواب الذي أعده الله لمن يكظم غيظه ولا يفجر غضبه لذلك تراهم يزنون الأمور بموازين مادية وليس بموازين إيمانية فيظنون أن كظم الغيظ والصبر على الأذى يظنون أن هذا ضعف وأن التهور والحمية والطيش يعتقدون أن هذه شجاعة فلاعقل عندهم ولا حكمة لهم لذلك ينبغي على المسلم ألا يجالس أمثال هؤلاء

فعن المرء لا تسل وسل عن قرينه        فكل قرين بالمقارن يقتدى

فمن كان ذا شر فجنبه سرعة           ومن كان ذا خير فقارنه تهتدى

وهذا ما حثنا عليه نبينا فقال لا تصاحب إلا مؤمن ولا يأكل طعامك إلا تقى

وقال الصاحب ساحب والمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل والناس مجبولون على مشابهة بعضهم البعض لذلك ينبغي على المسلم أن يحرص على الأخيار وأن يبتعد عن الأشرار حتى لا يرث عنهم الغضب وعدم ضبط النفس

الخطبة الثانية علاج الغضب

أولا (التحلي بالأخلاق الحميدة) كالحلم والصبر والعفو فهذه الأخلاق إذا تحلى بها المسلم وتدرب عليها أصبحت سجية له فإذا جهل عليه أحد لا يرد الجهل بجهل ولا السفه بسفه وإنما يكظم غيظه طلبا للأجر من ربه

ثانيا (الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم) فالغضب سببه الشيطان فهو جمرة يلقيها الشيطان في جوف ابن أدم فيحمر بسببها وجهه وتنتفخ أوداجه ويقف شعره لذلك لا ينجيه من ذلك ولا يطفئ حرارة الشيطان في قلبه إلا أن يستعيذ بالله منه وقد سمع النبي رجلان يستبان وغضب أحدهما حتى احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال النبي إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

ثالثا (تغيير الحال) فمن غضب فليجلس إن كان واقفا وليضجع إن كان جالسا ، قال النبي :من غضب فليجلس إن كان واقفا فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضجع وبين العلماء الهدف من تغيير الحال هو أن الشخص إذا كان واقفا فهو مهيأ للانتقام فإذا جلس قلت دوافع الانتقام وقيل أن الهدف من  الجلوس هو التواضع لأن سبب الغضب هو العجب والكبر فحينما يجلس الغضبان فيتذكر الأرض التي منها خلق وإليها سيعود لذلك يتواضع ويذل ويترك الغضب

رابعا (الوضوء) لأن الغضب من الشيطان والشيطان خلق من نار ولا يطفئ الماء إلا النار

خامسا (ذكر الله) لأن ذكر الله حرز يحترز به العبد من الشيطان فمن أكثر من ذكر الله في غدوه ورواحه كان في حصن وحماية من الشيطان ومن غفل عن ذكر الله صار ألعوبة يتلاعب به الشيطان ، قال تعالى ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين

وقال النبي الأمين الشيطان جاث على قلب بن أدم فإن ذكر الله خنس وإن غفل عن ذكر الله التقم قلبه وأخذ يوسوس لذلك ينبغي على المسلم أن يكون ذاكرا لله على كل أحواله إذا دخل بيته فليسلم على أهله فإنه إذا فعل ذلك قال الشيطان لأوليائه لا مبيت لكم فإذا ذكر الله عند الأكل قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء لكن إذا دخل الإنسان البيت ولم يسلم على أهله قال الشيطان ضمنتم المبيت فإذا لم يذكر الله عند العشاء قال الشيطان ضمنتم العشاء والمبيت

سادسا (تذكر الأجر العظيم الذي أعده الله لمن يكظم غيظه ولا يفجر غضبه)

ومن ذلك

أولا النزول منزلة الإحسان وهى أعلى منازل الدين قال تعالى:(والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)

ثانيا دخول الجنة فقد قال النبي لرجل لا تغضب ولك الجنة

ثالثا ومن ذلك دفع غضب الله قال النبي من كف لسانه ستر الله عورته ومن كف غضبه دفع الله عنه عقابه

لكن من غضب أنزل الله به عقابه كما قال النبي لأبي مسعود الأنصاري حينما ضرب غلاما له بالسوط فناداه النبي اعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود فالتفت فإذا النبي فقال له النبي اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام فقال يا رسول الله هو حر لوجه الله فقال له النبي لو لم تفعل للفحتك النار

رابعا الأجر العظيم الذي أعده الله لمن يكظم غيظه فقال النبي ما من جرعة أعظم أجرا من جرعة غضب يتجرعها المسلم ابتغاء وجه الله

المرجع : القوة والشجاعة في كظم الغيظ وعدم تفجير لغضب وليس في التهور والاندفاع (1)

 

(1) خطبة لا تغضب :زاد الواعظين

CATEGORIES
TAGS
Share This