تربية الأطفال بأقسامها الثلاثة

تربية الأطفال بأقسامها الثلاثة

 

تمهيد

إهتم النبي بفئة الأطفال وأعطاهم جانب كبير من توجيهاته القولية والفعلية وذلك لأن أطفال اليوم هم رجال الغد وأبناء اليوم هم آباء الغد وبنات اليوم هم أمهات الغد لذلك اهتم النبي بهم كما أن الولد إذا كان صالحا فهو امتداد لعمر أبيه لأنه صدقة جارية يجري ثوابها للأب بعد موته فكل صلاة  يصليها وكل صدقة يتصدق بها وكل معروف يفعله فهو في ميزان الأب لأنه من كسبه لكل هذه الأسباب ينبغي أن يهتم الآباء بأبنائهم لاسيما أنهم مسئولون أمام الله عن أولادهم كما جاء في الحديث (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ……الحديث والإنسان إذا استرعاه الله رعية ومات ولم يحطها بنصيحة فهو غاش لها وعقابه الحرمان من الجنة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم

التربية العقلية

ويراد بها إصقال عقل الطفل بالعلوم والمعارف التي يكتسبها عن طريق السمع أو البصر أو الحواس فكلما ازداد علما ازداد عقلا واتسعت مداركه ولو تأملنا في القرآن وسنة النبي العدنان لوجدناهما يتبعان أساليب مختلفة في تنمية العقل منها التلقين عن طريق إعطاء أوامر ونواهي ومنها الجدال عن طريق طرح سؤال والإجابة عليه ومنها القصة التي تشتمل على أحداث وق وزمان ومكان وبداية ونهاية

فيجب عل الآباء أن يتبعوا اسلوب القرآن واسلوب النبي العدنان في تعليم أبناءهم فيعلمونهم عن طريق القصة أو عن طريق التلقين أو الجدال فكل هذه الأساليب تجعل الجوارح كلها تتلقى وليس السمع فقط

وكذلك كان النبي يعلم أحيانا عن طريق الأشياء المحسوسة الملموسة فذات يوم مر بالسوق والناس على جنبتيه فمر بجدي أسك أي مقطوع الأذن فقال أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم فقالوا يا رسول الله لو كان حياً كان عيباً فكيف وهو ميت فقال النبي للدنيا أهون على الله من هذا عليكم

فالشاهد أن النبي كان يربي العقول مرة عن طريق السماع ومرة عن طريق البصر ومرة عن طريق الأشياء المحسوسة الملموسة ومرة  عن طريق القصة ومرة بالجدال والحوار فينبغي على الآباء أن يسلكوا مثل هذه المسالك في تربية أولادهم

كذلك من سبل  تربية الأطفال تربية عقلية تحبيب الأولاد في العلم والمعلم عن طريق التشجيع والتحفيز فإن الطفل إذا وجد تشجيعا وتحفيزاً أحب العلم وأحب المعلم وإذا كان التعليم بالضرب والقسوة كره العلم وكره المعلم ولذلك كان النبي يشجع ويحفز كما روى ابن عباس قال :بت عند النبي ليلة فقام النبي بعد منتصف الليل فتوضأ وقام يصلى قال فقمت ففعلت مثل ما فعل ووقفت عن يساره قال فأخذ النبي برأسي فأقامني عن يمينه وجعلني حذاءه فتأخرت فجذبني لأكون حذاءه فتأخرت فلما فرغ النبي قال مالي كلما جذبتك لتكون حذائي تأخرت فقال ما كان لي أن أساوى رسول الله فكافئه النبي بأن ضمه ودعا له اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل

وعمر ابن سلمة لما كان شغوفاً بالعلم كلما نزلت آيات اجتهد وحفظها وكان يعيش مع قومه في البادية فلما جاء الوفد الذين ذهبوا إلى النبي من قومه وكانوا قد سألوا رسول الله عمن يؤممهم في الصلاة فقال رسول الله أكثركم جمعا للقرآن فبحثوا فوجدوا أن عمر بن سلمة الصبي الصغير أكثرهم جمعا للقرآن فجعلوه إمامهم فكان ذلك مكافئة له وتشجيعا له ولما كان يصلى كانت تظهر سوأته فقالت النساء غطوا عنا سوأة إمامكم قال فاشتروا لي ثوبا وهذا أيضا من

التحفيز والتشجيع

وابن عباس كافئه عمر بأن أشركه في مجلس الشورى الذي كان يضم كبار الصحابة وعمر ابن الخطاب كافأ عبد الله بن عمر عندما قال له لقد وقع في وهلي أنها النخلة وذلك عندما سأل رسول الله الصحابة عن الشجرة التي لا يسقط ورقها وهي مثل المؤمن فضرب الصحابة في شجر البوادي ولم يعرفوها فقال رسول الله هي النخلة فلما خرج عمر قال له عبد الله لقد وقع في وهلي أنها النخلة واستحييت أن أقولها لأن كبار القوم جالسين فقال عمر لو قلتها كان أحب إلى من حمر النعم وهذا أيضا من التشجيع والتحفيز

وينبغي عليهم أن يراعوا أن هناك فروق فردية بين الأطفال في الاستيعاب  كما أن هناك فروق بين الأولاد في درجة سماعهم وبصرهم كذلك هناك فروق في لاستيعابهم فلابد من مراعاة ذلك فمن الأولاد من يفهم من أول مرة ومنهم من يفهم بعد مرتين أو ثلاث ومنهم من لا يفهم إلا بعد التكرار الكثير مرات ومرات ومنهم من لا يفهم ولو كررت ألف مرة فلا نعاتبه ولا نلومه حتى لا نؤثر على نفسيته وإنما نتذكر قول النبي (كل ميسر لما خلق له)فقد يكون الله خلقه لمجال آخر فلابد من الرضا والتسليم عك ما دمت أخذت بالأسباب وبذلت ما في وسعك فلا داعى لتعنيفه وعتابه أمام إخوته أو زملاءه حفاظاً على نفسيته

كذلك من سبل تربية الأطفال تربية عقلية تعويد الأطفال على الحفظ فإن الطفل إذا تعود على الحفظ منذ الصغر ترتب على ذلك تنمية ملكته وعندما يكبر بمجرد أن يطلع على تفسير ما قرأه سرعان ما يستوعبه

كما أن الحفظ يعطى الولد ثروة لغوية يستطيع من خلالها أن يعبر عما بداخله فكثير من الطلاب يعلمون الإجابات لكن لا يستطيعون أن يعبروا بسبب عدم وجود ثروة لغوية عندهم لكن تعويد الطفل على الحفظ منذ الصغر كحفظ القرآن وحفظ المتون هذا له أثره الكبير في تنمية ملكة الطفل وله أثره الكبير في تنمية ثروته اللغوية وتجعله يستطيع أن يعبر عما بداخله من معلومات

التربية الروحية

وهي تغذية روح الطفل بالطاعات والعبادات لأن الإنسان ركبه الله من بدن وروح فالبدن غذاءه الطعام والشراب والشهوات والروح نفخة من الملك غذاؤها الطاعة والعبادة والذكر والعلم الشرعي وكلما اهتم الإنسان بروحه كلما سمت مكانته وعلت منزلته وأصبح عزيزا محبوبا والروح هي التي تحمل الجسم وليس الجسم هو الذي يحمل الروح بدليل أن الروح إذا خرجت سقط الجسم وأصبح جثة هامدة لا قيمة لها

وسرعان ما يقومون بدفنه فهذا دليل على أن الإنسان بروحه أصبح إنسان وليس بجسمه وأنه إذا اهتم برحه أكثر من بدنه صار أسمى من الملائكة وإذا اهتم ببدنه أكثر من روحه صار أحط من الحيوان فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

ومما يعين الآباء  على تربية أولادهم تربية روحية أن يكونوا قدوة صالحة لأبنائهم فيحرص الآباء على أن يرى منهم أبناؤهم الصدق والعفاف والحياء والخشية والهمة العالية في الطاعة والمحافظة على الصلاة في جماعة وحفظ اللسان وطهارة القلب

فإن الطفل إذا رأى ذلك واقعا عمليا في والديه قلدهم في ذلك وتحلى بهذه الأخلاق وهذه الصفات لكن الطفل إذا رأى أبيه يكذب على أمه وأمه تكذب على أبيه وأباه يسب أمه ويرى والديه يستيقظان كل يوم بعد شروق الشمس ويفرطون في صلاة الفجر فلاشك أنه سيفرط في الصلاة ويضيعها ويعتاد على الكذب ويكون سليط اللسان لأنه ورث ذلك من والديه

مشى الطاووس يوما باختيال فقلد مشيته بنوه

                                         فقال علام تختالون قالوا قد بدأت ونحن مقلدون

ومما يعين الآباء على تربية أولادهم تربية روحية أن يربطوا أبناءهم بالله ويعودوهم على سؤال الله كل ما يريدونه من أمر دينهم ودنياهم لأن الله هو الذي يملك ذلك فهو القائل في حديثه القدسي يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاست طعموني أطعمكم

يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم

هكذا كان السلف يدربون أبناءهم على سؤال الله كل ما يحتاجونه من طعام وشراب فهذا الشيخ أحمد زروق يحكي لنا قصة تربية جدته له فيقول مات أبى وأنا حمل في بطن أمي وماتت أمي بعد أن وضعتني فتولى تربيتي جدتي لأبى فكان كلما جعت قالت إن الذي يملك الطعام هو الله فتعالى نتوضأ ونصلى وندعو الله أن يرزقنا الطعام وتقوم بصنع الطعام وتضعه تحت طرف الفراش ثم تأخذه وتتوضأ ويتوضأ معها ثم تصلى ويصلى معها ثم تدعو الله وتبكى ثم تقول تعالى نرفع الفراش لعل الله استجاب لنا فترفع الفراش فتجد الطعام وهكذا تفعل معه كلما احتاج طعاما أو ثياباً أو مالا حتى تعود أن يسأل الله كل شيء يريده فإن تعويد الولد على ذلك يجعله يعتمد على الله ويراقب الله ولا يخاف إلا من الله ولا يذل إلا لله

التربية البدنية

وهى العناية ببدن الطفل ونظافته وأول ما ينبغي أن يحرص عليه الوالدين في التربية البدنية أن يحرصوا على تغذية الأولاد بالحلال فإن الولد إذا كان غذاءه حلال وثيابه حلال أطلق الله بصيرته وفتح الله مسامع قلبه وأصبح صاحب ذكاء وقادا وسهل عليه الفهم والحفظ لكن إذا كان مطعم الولد حرام وملبسه حرام أثر ذلك على الولد فطمست بصيرته وأغلق مسامع قلبه ولم يستطع أن يفهم ولا أن يحفظ بسهولة

لذلك كان السلف إذا أرادوا أن يكون أبناءهم أوعية للعلم كانوا يحرصون على الحلال في طعامهم وشرابهم وكساءهم فهذا الإمام أبو محمد الجويني أراد أن ينجب ولدا يكون وعاءاً للعلم فاجتهد في العمل حتى اكتسب مالا من حلال ثم اشترى أمة من آخر بلدة فتحها المسلمون ثم علمها وأدبها ثم أعتقها وتزوجها وكان يحرص على أن يطعمها من الحلال

فلما وضعت أغلق عليها حجرة خاصة بها وأمرها أن تعتزل النساء طيلة فترة الرضاع فذات يوم كان في البيت يصلى فجاءت امرأة فدخلت وهو يصلى فأخذت الصبي فألصقته بثديها وأخذت ترضعه فأسرع إليها وأخذ منها الطفل  ورفع رجله وأخذ يعصر بطنه حتى يفرغ ما مصه

فلما كبر هذا الطفل صار إماما في العلم وكان يسمى الإمام أبو المعالى الجويني يقول فأحياناٍ تأخذني كبوة وأنا اتحدث فأقول لعلها من تلك المصة التي لا يعلم مصدرها فالشاهد أنه لابد من مراعاة الحلال في تربية الأطفال تربية بدنية لأن ذلك يؤثر على بصيرتهم وحفظهم وفهمهم كذلك من سبل التربية البدنية

تعويد الطفل على النظافة فالطفل الذي يرى بيته دائما متسخا وثيابه متسخه سيعتاد على ذلك لكن حينما تهتم الأم بنظافة البيت ونظافة أولادها وغسل ثيابهم وعدم إهمال أولادها فلاشك أن الولد سيعتاد على النظافة ويحرص عليها لأنه تربي عليها وتعويده على تنظيم وقته فيجعل وقت للنوم لا يفعل فيه شيء غير النوم

ووقت للمذاكرة لا يفعل فيه شيء غير المذاكرة ووقت للعب لا يفعل فيه غير اللعب بذلك يحترم الولد الوقت ويعرف قيمته ويعتاد على النظام ويستطيع أن يؤدى ما طلب منه من واجبات

 

CATEGORIES
TAGS
Share This