
الشتاء عظات وعبر
تمهيد
يقول الحق تبارك وتعالى :(إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار)
هذه الآية عندما نزلت على النبي بكى حتى بل لحيته ثم ظل يبكي حتى بل الأرض فدخل عليه بلال فقال يا رسول الله تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال أفلا أكون عبدا شكورا لقد نزلت على الليلة آية ويل لمن قرأها ولم يتدبرها ثم تلا الآيات هذه الآيات تدعو إلى التفكر في آيات الله المرئية في الكون والمتلوة في القرآن ومن آيات الله المرئية في الكون هذه الآيات التي حدثت في هذه الأيام وهي تغير حرارة الجو فبعد أن كانت مرتفعة أصبحت منخفضة وبعد أن كانت الشمس تغرب في السابعة أصبحت تغرب في الخامسة وهذه الظواهر التي نراها في هذه الأيام من رياح ورعد وبرق ومطر فهذه التغييرات التي حدثت هل تستطيع دولة مهما أوتيت من قوة وعلم ومال هل تستطيع أن تقول نحن الذين غيرنا الحرارة بعد أن كانت مرتفعة أصبحت منخفضة هل تستطيع دولة أن تقول نحن الذين جعلنا الشمس تغرب في الخامسة بعد أن كانت تغرب في السابعة لا تستطيع دولة أن تدعي ذلك فلا يملك ذلك إلا الملك جلا جلاله يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار
وهذا الشتاء الذي حل علينا في هذه الأيام ذكرنا بعدة أشياء
أولا سرعة انقضاء العمر فمعنى أن الشتاء عاد إلينا معنى ذلك أن عاما كاملا مر من بين أيدينا ومعنى ذلك أن العمر سيمر سريعا كما مر العام سريعا فالعاقل هو الذي يفيق من غفلته ويتدارك أيامه ولياليه ولا يدعها تتصرم من بين يديه دون أن يضع فيها أعمالا فالأيام خزائن لأعمالنا التي تنفعنا عند لقاء ربنا
ثانيا العاقل هو الذي يغتنم ساعاته وأيامه ولياليه لأن الوقت هو رأس ماله فكما يحرص التاجر على زيادة رأس ماله أو على الأقل الحفاظ عليه كذلك ينبغي أن يفعل المسلم مع وقته لأنه رأس ماله
ثالثا الإنسان ما هو إلا أيام فإذا ذهب يوم ذهب بعضه وإذا ذهب البعض يوشك أن يذهب الكل وكل يوم يقربنا من الآخرة ويبعدنا عن الدنيا فنحن إلى دار نقترب منها أقرب إلى دار نبتعد عنها
رابعا الله عندما أوجد الإنسان في هذه الدنيا حدد له كم سنة سيعيشها وكم شهرا وكم يوما وكم ساعة بل وكم نفسا دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني
كذلك الشتاء ذكرنا بتصحيح العقيدة التي نعتقدها في رب الأرض والسماء
ففي هذا الفصل تحدث ظواهر كثيرة كنزول الغيث وهبوب الرياح وغيرها فغير المؤمن يقول إن هذا حدث بفعل الطبيعة فعندما تهب الرياح يقول هبت بسبب عوامل كذا وكذا وعندما ينزل الغيث يقول نزل الغيث بنوء كذا أي بكوكب كذا وكل هذا كفر عياذا بالله أما المؤمن فإنه يؤمن بأن هذه الظواهر لم تحدث إلا بأمر الملك جلا جلاله فالغيث لا ينزل إلا بأمر الله وفي المكان الذي حدده جلا علاه فنحن نرى السحب تمشى في السماء محملة بالماء وتمر فوق الصحارى التي هي في أمس الحاجة إليها ولا تنزل ماءها لأنها لا تنزل ماءها إلا إذا أذن لها ربها وفي المكان الذي حدده لها ومما يدل على ذلك قول النبي بينما رجل يقف في صحراء إذ سمع صوتا في سحابة يقول اسقي أرض فلان فأخذ يتتبع السحاب فوجد الماء ينزل من السحابة كأنه ينزل من ماسورة فأخذ يتتبع الماء فوجد رجلا معه مسحاة يسلك الماء للأرض فقال له ما اسمك قال فلان للصوت الذي سمعه في السحابة فقال ما تصنع في أرضك فإني سمعت كذا وكذا قال أما إذ قد سمعت فإني أقسم خراجها ثلاثة أقسام قسم أرده في الأرض وقسم أنفقه علي أولادي وقسم للفقراء والمساكين فالشاهد أن السحابة أمرت أن تسقي أرض هذا الرجل فدل ذلك على أن السحاب مأمور أين يضع ماءه لذلك المؤمن يؤمن بأن هذه الظواهر التي تحدث في الشتاء إنما هي بأمر رب الأرض والسماء
لذلك فالله عزو جل بعد أن ينزل الغيث يسمع ماذا يقول الناس فمن الناس من يقول مطرنا بنوء كذا وكذا أي بسبب كذا وكذا فهذا كافر بالله مؤمن بالكوكب أو الأسباب وأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فهذا مؤمن بالله كافر بالأسباب لذلك الشتاء يذكرنا بهذه العقيدة ويجعلنا نوحد الله في أفعاله وهذا يسمى توحيد الربوبية وهو افراد الله بأفعال الكون فالله وحده هو الضار وحده هو النافع وحده المعطى وحده المانع ووحده الذي ينزل الغيث وحده الذي يصرف الرياح إلى غير ذلك من أفعال الكون
أما توحيد الألوهية فهو افراد الله بالعبادة فمادام أن الله فو الذي خلق وحده ورزق وحده فمن حقه أن يعبد وحده كيف يخلق ويرزق ويعبد غيره فهذا أظلم الظلم لذلك قال تعالى إن الشرك لظلم عظيم
كذلك الشتاء يجعلنا نؤمن بأن الظواهر التي تحدث فيه ماهي إلا جنود مجنده تأتي بالخير وتأتي بالشر لذلك إذا تضرر المؤمن بهذه الظواهر فلا ينبغي أن يسبها لأنها لا ذنب لها إنما هي جنود قد تكون عذابا وقد تكون نعيما فالله أرسل الريح عذابا لأقوام كقوم هود وهم عاد الذين قالوا من أشد منا قوة فأرسل الله عليهم ريحا صرصرا عاتية وكذلك المشركون يوم الأحزاب أرسل الله عليهم ريحا قلعت خيامهم وأطفأت نيرانهم وأكفأت نيرانهم وجعلتهم يعودوا خائبين لم يحققوا ما كانوا يتمنون ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفي المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا فلا ينبغي للمؤمن أن يسب هذه الظواهر لأنها جنود تأتي بالخير وتأتي بالشر فإذا رآها المؤمن يسأل الله خيرها ويستعيذ بالله من شرها ولا ينبغي للمؤمن أن يسب الشتاء لأن الشتاء جزء من الدهر ومن سب الدهر فكأنه سب الله
كذلك الشتاء يذكرنا بالنار التي أعدها رب الأرض والسماء للكافرين وعصاة المسلمين
فحينما يشتد البرد فهو نفس من جهنم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :(اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فهو أشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير فحينما نشعر بشدة البرودة في الشتاء فهذا نفس من جهنم فالواجب علينا أن نستعيذ بالله منها لأن من صفات عباد الرحمن الذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابه كان غراما
وكان أكثر دعاء النبي اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
وحينما نتذكر النار يجب علينا أن نأخذ بأسباب النجاة منها ومن أسباب النجاة من النار
- البعد عن الشرك وتحقيق التوحيد فمن مات يشرك بالله شيئا دخل النار كما قال النبي المختار
- كذلك من أسباب النجاة من النار المحافظة على الصلاة فالله حرم على النار أن تأكل آثار السجود
- كذلك من أسباب النجاة من النار الصيام فمن صام يوما في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا
- كذلك من أسباب النجاة من النار الجهاد فلا يجتمع كافر وقاتله في النار أبدا وعينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله
- كذلك من أسباب النجاة من النار الصدقة ولو بشيء يسير فقد قال رسول العزيز القدير اتقوا النار ولو بشق تمرة
الخطبة الثانية
كذلك من الأشياء التي يذكرنا بها فصل الشتاء تكفير الخطيئات ورفع الدرجات بسبب المكاره التي يجدها المسلم في فصل الشتاء فمن هذه المكاره ما يصيب المسلم من أمراض كالإنفلونزا واحتقان الأنف والسعال ودموع العين والصداع وغير ذلك من أعراض البرد وكلها سبب لتكفير الخطيئات ورفع الدرجات إذا أصابت المسلم الطائع أما إذا أصابت الكافرين وعصاة المسلمين ممن يتخطون محارم رب العالمين فهي عقوبة من الله لهم لذلك أنت أيها المسلم الطائع عندما تصاب بشيء من هذه الأعراض والأمراض في الشتاء فالذي يدعوك أن تصبر وتحتسب هي أنها سبب لتكفير الخطايا ورفع الدرجات فلذلك النبي عندما دخل على أم السائب وجدها تزفزف من شدة الحمى فقال مالك يا أم السائب تزفزفين فقالت الحمى يا رسول الله لا بارك الله فيها فقال النبي لا تسبوا الحمى فإنها تذهب الخطايا كما يذهب الكير خبث الحديد
كذلك من المكاره التي تصيب المسلم في الشتاء العناء والمشقة والألم الذي يجده أثناء الوضوء والاغتسال بسبب شدة البرد وكذلك العناء والمشقة أثناء الذهاب إلي المسجد وأثناء العودة بسبب شدة البرد وربما وحل الأرض وربما ريح تلفحك فكل هذا من المكاره وهي سبب في تكفير الخطايا ورفع الدرجات كما قال النبي ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قلنا بلى يا رسول الله قال اسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فما يرفع الله به الدرجات ويكفر به الخطيئات اسباغ الوضوء على المكاره أي اسباغ الوضوء وأنت كاره لذلك بسبب شدة البرد فمن رحمة الله بنا وجود السخانات التي ترفع درجة حرارة الماء حتى يتحمله البدن فإذا لم تجد هذه السخانات وتوضأت في هذا البرد الشديد وأسبغت الوضوء فهذا سبب لتكفير الخطايا ورفع الدرجات وكما أن الله يعطي الثواب العظيم على من يسبغ الوضوء في أثناء البرد فكذلك توعد بالعقاب الشديد لمن يتهاون في الوضوء بسبب البرد فكثيرا من الناس قد يحمله شدة البرد على ألا يكشف ذراعه جيدا حتى يتمكن من غسله إلى المرفقين وقد يحمله شدة البرد على أن يرش الماء فوق سطح القدم ولا يغسل أعقاب قدميه وقد حذر النبي من ذلك فقال ويل للأعقاب من النار
فتحمل مكاره الشتاء سبب لرفع الدرجات وتكفير الخطيئات وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم جاءني ربي في أحسن صورة فقال يا محمد قلت لبيك ربي وسعديك قال هل تدري فيما يختصم الملأ الأعلى قلت رب لا أدري قال فوضع يده بين كتفي فوجدت بردهما بين ثديي فعلمت ما بين المشرق والمغرب فقال يا محمد قلت لبيك رب وسعديك قال هل تدرى فيما يختصم الملأ الأعلى قلت في الكفارات والدرجات واسباغ الوضوء في المكروهات ونقل الخطا إلى الجماعات فمن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير وكان من ذنوبه كيوم ولدته أمه
كذلك من الأشياء التي يذكرنا بها فصل الشتاء
أولا حال المساكين والفقراء فحينما تشعر بشدة البرد وتلبس الملابس الثقيلة وتتغطى بالأغطية وتستدفئ بالدفايات وغيرها فهذا يذكرك بأن من المسلمين من لا يجدون ما يدفئ أبدانهم من ملابس وأغطيه ومواقد فلو عاد كل إنسان منا وبحث في دولابه لوجد ملابس كثيرة لا يستعملها ولا يحتاج إليها فما المانع أن تعطيها لأسرة فقيرة إن كنت لا تحتاج إليها فغيرك محتاج إليها إن كنت لا تستعملها فغيرك سيستعملها
ثانيا كثير منا عنده من الأغطية ثلاثة وأربعة وأكثر وربما عنده أغطية لا يحتاج إليها ولا يستعملها فهناك أسر مكونة من خمسة أفراد أو ستة لا يجدون إلا غطاءا واحدا فما المانع أن تعطيهم غطاءا زائدا عندك لا تحتاج إليه
ثالثا من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم تطرد عنه جوعا أو تقضي عنه دينا أو تكشف له قربه
وهذه الملابس والأغطية التي تخرجها ستكون بمثابة سور يحميك ويحمى أولادك ويحمى مالك لأن صنائع المعروف تقي مصارع السوء ومن الأشياء التي يكثر استعمالها في فصل الشتاء النار فيجب الحذر عند استخدمها لأن النبي قال إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم وسبب قول النبي ذلك أنه حدث أن أهل بيت من الأنصار احترق عليهم البيت بالليل فقال النبي إن هذه النار عدو لكم فإذا نمتم فأطفئوها عنكم
فعندما تستخدم النار في الشتاء فقبل أن تنام أطفئها سواء أكانت موقدا أو مدفئة أو جهاز متصلا بالكهرباء فلابد من فصله قبل النوم لأنه ربما يحدث ماس كهربائي ويسبب ضررا وحدث أن أهل بيت كانوا يستخدمون المدفئة فانقطعت الكهرباء فتركو المدفئة متصلة بالكهرباء ونسيت المرأة ذلك فقامت بوضع ملابس على المدفأة ثم خرجوا من البيت فلما جاءت الكهرباء اشتعلت المدفأة فأحرقت الملابس ثم أحرقت البيت فيجب الحذر عند استخدام الكهرباء كذلك إذا كنت تصلى والنار أمامك فتقدم حتى تجعل النار خلفك حتى لا نتشبه بالمجوس الذين يعبدون النار

