الإحتفال بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم

الإحتفال بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم

 

حاجة البشرية لميلاد النبي

لقد كانت البشرية في أمس الحاجة لميلاد النبي كحاجة الأعمى إلى الضياء وحاجة المريض إلى الشفاء وحاجة العليل إلى الدواء وحاجة الظمآن إلى الماء ، كانت البشرية في أمس الحاجة لرسول رب البرية لأنه أخرجهم من الظلمات إلى النور ومن الشرك إلى التوحيد ومن الباطل إلى الحق ومن الظلم إلى العدل ، فقد كانت البشرية تعيش في حالة من الفساد الأخلاقي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني ، كانوا في حالة من الفساد الأخلاق بسبب انتشار الزنا والبغاء والفواحش والمنكرات

وكانوا في حالة من الفساد الاجتماعي لأنهم كانوا يسيئون الجوار ويقطعون الأرحام ويأكل القوى الضعيف ويهينون المرأة إذا كانت كبيرة ويقتلونها إذا كانت صغيرة ، وكانوا في حالة من الفساد الاقتصادي لأنهم كانوا يأكلون الربا ويطففون في الكيل والميزان ويغشون في البيع والشراء ، وكانوا يعيشون حالة من الفساد الديني بسبب انتشار الشرك وعبادة الأصنام والأحجار والأشجار

بسبب كل هذا الفساد كانوا في أمس الحاجة لرسول رب العباد وكان ميلاده منة عظيمة للبلاد والعباد لأن ميلاده كان ميلاد للتوحيد بعد الشرك وميلاد للنور بعد الظلام وميلاد للحق بعد الباطل وميلاد للهدى بعد الضلال

ولد الرسول في الثاني عشر من شهر ربيع الأول عام الفيل وكان والده قد مات وهو لازال حملا في بطن أمه ولما وضعته أمه أرسلت إلى جده عبد المطلب الذي سر به واستبشر وأخذه وذهب به إلى الكعبة المشرفة وسماه محمد فهو محمود في السماء ومحمود في الأرض ومحمود في أخلاقه ومحمود في أفعاله ومحمود عند أصدقاءه وأعداءه وأقاربه وجيرانه

قال النبي :لي خمسة أسماء أنا محمد وأحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على أثرى وأنا العاقب الذى أعقب الأنبياء فلا نبي بعدى

الإرهاصات التي حدثت قبل وأثناء وبعد ميلاد النبي

أما الإرهاصات التي حدثت قبل ميلاد النبي فكان منها حادث الفيل الذى أهلك الله فيه أبرهة وقومه حينما أرادوا تدمير البيت ونجا الله قريش على الرغم من أن دين أبرهة كان أفضل من دين قريش لأن أبرهة وقومه كانوا نصارى فكان دينهم دين سماوي كانوا أهل كتاب لكن قريش كان دينهم شرك وعبادة للأصنام فدل ذلك على أن إهلاك أبرهة ونصرة قريش لم يكن من أجل قريش وإنما كان من أجل البيت ومن أجل الطفل الذي سيولد في هذا العام ليطهر البيت من عبادة الأصنام ويدعو فيه إلى عبادة الرحمن   فلقد ولد النبي في هذا العام وهو عام الفيل

ومن الإرهاصات التي حدثت للنبي أثناء مولده طلوع نجم أحمد فذكر الله لليهود في التوراة أن علامة ميلاد أحمد ظهور نجم في السماء له صفات معينة فلما طلع النجم صرخ يهودي بأعلى صوته يا معشر يهود فاجتمعوا له فقالوا ويلك مالك قال طلع اليوم نجم أحمد الذى ولد به

وأما عن الإرهاصات التي حدثت أثناء ميلاده فكان منها رؤية أمه آمنة أثناء ولادتها له رأت أن نورا خرج منها أضاء ما بين الشام وبصرى وكان ذلك إشارة إلى أن رسالة النبي ستصل إلى مشارق الأرض ومغاربها

وأما الإرهاصات التي حدثت بعد ميلاده فكان منها حادثة شق الصدر التي حدثت للنبي وهو عند مرضعته حليمة ، قال عنها النبي بينما أنا عند مرضعتي حليمة كنت أنا وأخ لي نرعى بهما لنا خلف البيت إذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوء بماء الثلج

فأخذاني فشقا صدري فاستخرجا قلبي فأخرجا منه علقة فطرحاها ثم غسلا قلبي وبطني بماء الثلج ثم قال أحدهما للآخر زنه بعشرة من أمته فوزنني فوزنتهم فقال زنه بمائة من أمته فوزنني فوزنتهم فقال زنه بألف من أمته فوزنني فوزنتهم فقال دعه فو الله لو وزنته بأمته كلهم لوزنهم.

ما حدث للنبي بعد إتمام رضاعته

بعد أن أتم النبي رضاعته عند مرضعته حليمة عاد إلى  أمه آمنة في مكة فلما بلغ السادسة من عمره رأت أمه أن من الوفاء أن تزور قبر أبيه في يثرب فذهبت به مع جده عبد المطلب إلى يثرب حيث قبر أبيه فلما زارته وفى أثناء العودة ماتت في مكان بين مكة والمدينة يسمى الأبواء فهناك دفنت وعاد النبي مع جده عبد المطلب الذي حزن عليه حزنا شديدا لأنه فقد أباه وفقد أمه فتولى رعايته وكفالته وكان يحبه ويحنو عليه

وتوفى عنه جده وهو في الثامنة من عمره ، وتولى كفالته عمه أبو طالب الذي كان يخاف عليه لدرجة أنه كان لا يسافر خارج مكة إلا إذا أخذه معه خوفا عليه فلما كانت قافلة الشام التى سافر فيها أبو طالب أخذ النبي معه وكان عمره اثنى عشر عاما

فقبل أن تصل القافلة إلى المكان الذي تريد أن تصل إليه مروا بمكان يسمى بصرة وكان في مدخل بلاد الشام وكان يسكن هذا المكان راهب نصراني يسمى بحيرا الراهب وكان أهل هذا المكان يحبونه وقبل ذلك كانت تمر القافلة فلا ينزل إليهم ولا يلتفت إليهم إلا أنه في هذه المرة نزل إليهم وتخلل صفوفهم حتى وصل إلى النبي وأمسك بيده وقال بأعلى صوته هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقالوا كيف عرفت ذلك فقال عندما أشرفتم من العقبة لم يبقى حجر ولا شجر إلا خر ساجدا ولا يسجدان إلا لنبي ثم كشف عن كتفه فوجد خاتم النبوة بين كتفيه ثم تركهم وذهب ليعد لهم طعاما فلما جاء وجدهم قد نزلوا تحت فيء شجرة ومحمد كان يرعى لهم الإبل فقال أين هو قالوا في رعية الإبل فقال أرسلوا إليه فلما جاء مال الفيء عليه فقال انظروا كيف مال الفيء عليه

ثم ظل يلح على عمه أبو طالب حتى يعود به ولا يذهب به إلى الشام خوفا عليه من الروم ومن اليهود لأنهم لو رأوه عرفوه وقتلوه فعاد به أبو طالب وظل النبي ينشأ في مكة ويحميه الله من أفعال وأخلاق الجاهلية حتى أنعم الله عليه بالرسالة والنبوة([1])

كيف نحتفل بميلاد النبي

الاحتفال بميلاد النبي إنما يكون بطاعته فيما امر والانتهاء عن كل ما نهى عنه وزجر لأن طاعة النبي طاعة للرب العلى ومعصية النبي معصية للرب العلي ولأن شرط دخول الجنة هو طاعة النبي فهو القائل كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبي قالوا ومن يأبي يا رسول الله قال من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى

الاحتفال بميلاد النبي إنما يكون بمحبته أكثر من المال والولد والنفس لأن هذا شرط كمال الإيمان فقال النبي العدنان والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين كما أن محبة النبي سبب لنيل حلاوة الإيمان فلقد قال النبي العدنان ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاة الإيمان وذكر منها أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما ، الاحتفال بميلاد النبي إنما يكون بتعظيمه والـتأدب معه في حياته وبعد مماته

لأنه لا يعرف قدر النبي إلا الرب العلي ويتضح قدر النبي من خطاب الله للأنبياء قبله وخطاب الله له فالله عز وجل عندما خاطب الأنبياء قبله ناداهم بأسمائهم مجردة يا نوح ،يا آدم ،يا زكريا لكن لما خاطب النبي لم يقل يا محمد وإنما قال يا أيها الرسول ،يا أيها النبي ولما أراد أن يذكر اسمه قرنه بصفة الرسالة فقال محمد رسول الله وأنزل الله قرآنا حتى يعلم الناس كيف ينادون سيد الناس فقال لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا وقال يا أيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله واتقوا الله

أي لا تقدموا قولكم على قول الله ورسوله ولا تقدموا فعلكم على فعل الله ورسوله

الاحتفال بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم إنما يكون بالدفاع عن سنته وتبليغ دعوته ورسالته لأننا في زمان تطاول فيه العلمانيون والمستشرقون والمنافقون على سنة النبي وابتلينا بمن يقول لا نأخذ إلا بالقرآن وقد أنبأ النبي بهؤلاء فقال ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ألا يوشك أن يأتي رجل شبعان متكئ على أريكته يقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه من حلال أحللناه وما وجدنا فيه من حرام حرمناه ألا إني حرمت ما حرم الله ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة المعاهد

الاحتفال بميلاد النبي إنما يكون بتبليغ دعوته ورسالته لأن هذا أمر كلفنا به النبي فقال بلغوا عنى ولو آية فبلغوا تكليف وعنى تشريف ولو آية تخفيف وقال تعالى:(قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن)

قال ابن القيم ولا يكون الرجل من أتباع النبي حقا حتى يدعوا إلى ما دعا إليه النبي على بصيرة.([2])

 

[1] )من خطبة  ميلاد الرسول لحامد إبراهيم

[2] )حق الرسول للشيخ محمد حسان

CATEGORIES
TAGS
Share This