
أنواع الفتن وأسبابها وآثارها
في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المنادي أن ينادي الصلاة جامعة فاجتمع الناس عند سيد الناس فقال النبي :إنه لم يكن نبي قبلي ‘لا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم وإن أمتكم هذه قد جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها تأتي الفتنة فيرقق بعضها بعضا فيقول المؤمن هذه مهلكتي ثم تزول وتأتي فتنة أشد فيقول المؤمن هذه فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله وباليوم الآخر وليأتي إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه
أنواع الفتن
فتنة السراء
وهى ما يصبه الله من أنواع الخير والرفاهية مالم يكن فيمن مضي من أمثلة ذلك سهولة الاتصالات والنقل والعلاج فهذه الأشياء فتنة لأن فيها الخير وفيها الشر فكثير من الناس استغلها في الشر فصد ته عن سبيل الله وجرأته على محارم الله
فتنة الضراء
وهي ما يصيب الأمة من الذل والهوان ونزع الله المهابة من قلوب عدوها لها وإلقاء الوهن في قلبها وقد أنبأ النبي بذلك فقال :0(يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها قالوا أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله قال لا أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن المهابة من قلوب عدوكم ويلقي في قلوبكم الوهن قالو ا وما الوهن يا رسول الله قال حب الدنيا وكراهية الموت فبين النبي في هذا الحديث أن الأمة ستكون كبيرة من ناحية الكم ولكن ضعيفة من ناحية الكيف
فتنة الدهيماء
وهو تنافس الناس على الملك والحكم حتى يتولاه من ليس له أهلا وليس له معدا وقد أنبأ النبي بذلك فقال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة
فتنة حب الدنيا والتعلق بها
فقال صلى الله عليه وسلم:(يوشك أن يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتتل الناس عليه حتى يقتل من كل مائة تسعة وتسعون وكل واحد يقول لعلى أنا الذي أنجوا قال النبي فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا) فكون الناس يقتتلون ولا يعتبرون بمن قتل فدل ذلك على شدة التعلق بالدنيا والحرص عليها وهذا التنافس على الدنيا نراه الآن قبل أن يظهر جبل الذهب فنحن نرى الناس يأكلون الميراث ويطففون الكيل والميزان ويغشون في البيع والشراء ويأكلون الربا ويحرصون على جمع المال ولو من الحرام فكل هذا دليل على شدة تعلق القلوب بالدنيا وكما هو معلوم أن الإنسان ليس له من ماله إلا ما أكل فأفنى أو لبس فأبلى أو تصدق فأمضى وفي لفظ فأبقى
أسباب الفتن
أولا الغفلة عن الله والدار الآخرة
فالذي يتنافس على الدنيا وقد يقاتل من أجلها سبب ذلك هو الغفة والذي يتنافس على الملك ويقاتل من أجله مما يترتب عليه حدوث الفتن سبب ذلك هو الغفلة فهو يظن أن الدنيا قطار مستمر فهو يقول مالم أفعله اليوم سأفعله غداً ومالم أفعله غداٍ سأفعله بعد غداً ومالم أفعله هذا الشهر سأفعله الشهر القادم والعام القادم ونسي أنه نفس يخرج ويعلم الله هل يرجع أم لا ونسي أن كثيراً من الناس خرجوا على أقدامهم ورجعوا محمولين على الأعناق
ثانيا من أسباب الغفلة انتشار الظلم والبغي
فالقاعدة تقول :(الظلم يولد ظلم )فحينما يرى الناس ملوكهم وحكامهم يظلمونهم ويمنعونهم حقوقهم ويستأثرون بمال الله دونهم سيترتب على ذلك أن يظلم الناس بعضهم بعضا ويأكل القوي منهم الضعيف ويمنع بعضهم حق بعض وهذا ما قاله رجاء بن حيوة حينما قال له عمر بن عبد العزيز أريد أن أنشر العدل بين الناس فأريد رجالا يساعدوني فقال له يا أمير المؤمنين إن السلطان كالسوق يجلب لها ما يروج فيها فإن أنت أردت أن يروج بين الناس العدل فابدأ به أنت فلا تظلمهم ولا تمنعهم حقوقهم ولا تستأثر بمال الله دونهم فإن الناس إذا رأوا ذلك منك طبقوه فيما بينهم لكن العكس بالعكس أي أن الناس إذا رأوك تظلمهم وتمنعهم حقوقهم وتستأثر بمال الله دونهم فعلو ذلك مع بعضهم لأن الناس على دين ملوكهم لما انشغل ملوك بنى أمية بالعمارة انشغل الناس بالعمارة ولما انشغل ملوك الأندلس بالقينات والخمور انشغل الناس بذلك فسقطت الأندلس
ثالثا الجهل بالله والجهل بشرعه
فما تجاسر أحد على معصية الله إلا بسبب جهله بقدر ربه لكن لو عرف الله لامتلأ قلبه خشية وإجلالا له قال تعالى:(إنما يخشى الله من عباده العلماء فكلما كان الإنسان عالما كلما كان متقيا خائفا مجلا لربه وكذلك من أسباب الفتن الجهل بشرع الله فما وقع الخوارج فيما وقعوا فيه من تكفيرهم لعلى وخروجهم عليه وقتالهم له إلا بسبب الجهل بالشرع وفهم النصوص على غير مرادها وكذلك ما وقعت أمتنا في هذا الزمان فيما وقعت فيه من فتن إلا بسبب الجهل بالشرع فإن النبي نهى عن الخروج على الحكام وأمر بالصبر وإن ضربوا ظهورنا وأخذوا أموالنا لا سبيل لنا إلا الصبر فقال صلى الله عليه وسلم :إنكم ستلقون بعدى أثرة أي يستأثرون بخيرات البلاد ويحرمون الفقراء فماذا نفعل يا رسول الله هل نخرج عليهم ونقاتلهم هل نحدث ثورات ومظاهرات ، انظر ماذا قال النبي :قال اصبروا حتى تلقوني على الحوض
وقال يستعمل عليكم أمراء تعرفون وتنكرون فمن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن فقالوا يا رسول الله أفلا نقاتلهم قال لا ما أقاموا فيكم الصلاة أي ما داموا يتركونكم تصلون فلا تخرجوا عليهم
لم يجيز النبي الخروج على الحكام لعلمه بعواقب ذلك فإن الخروج يترتب عليه سفك للدماء وانتهاك للأعراض ونهب للأموال وخراب للبلاد والعباد لأن كثيرا من الناس لا يراقبون رب الناس وإنما يراقبون القانون فإذا غاب القانون سفكوا الدماء وانتهكوا الأعراض وخربوا البلاد وأهلكوا العباد
فوجود السلطان وإن كان جائرا خير من الفوضى التي تترتب على عزله لذلك ما قامت ثورة إلا وترتب عليها من الشر أكثر مما يترتب عليها من الخير ويترتب عليها من الفساد أكثر مما يترتب عليها من الصلاح لذلك لا يجوز تغيير المنكر إذا كان يترتب عليه ما هو أنكر فوجود الحاكم الجائر هذا منكر لكن زواله يترتب عليه ما هو أنكر لذلك لا يجوز نزع الملك منه إلا إذا كان معنا من القوة ما نستطيع أن نخمد بها الفتن
فلنصبر حتى نلقى الله هذا هو هدي السلف فقد جاء الناس يشكون الحجاج إلى أنس بن مالك فقال اصبروا فلا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده أسوأ منه حتى تلقوا ربكم سمعته من نبيكم فلا نظن أننا عندما نخرج على حاكم حتى يأتي من هو خير منه بل سيأتي من هو شر منه فنحن بعد عزل مبارك كنا نظن ان الخير سيكون من بعده بل بالعكس الناس الآن كثير منهم يقول يا ليتنا ما خرجنا عليه لقد كان زمانه أحسن مما نحن فيه
الآثار المترتبة على الفتن
أولا تسلط الأعداء على بلاد المسلمين
فالأعداء يتربصون بنا ويجلسون جلسة المتفرج فإذا رأونا انشغلنا بقتال بعضنا وأسر بعضنا والكيد لبعضنا سيصبح من السهل عليهم أن يدخلوا بلادنا ويستولوا على خيرات البلاد وهذا ما حدث في الأندلس لما انشغلوا بالكيد لبعضهم وقتال بعضهم استعان بعضهم بالنصارى وبالغرب فسقطت الأندلس واستولى عليه الأعداء وهذا الحال نراه الآن في كثير من بلاد المسلمين فعندما انشغلوا بقتال بعضهم وأسر بعضهم والكيد لبعضهم دخل الغرب بينهم واستولى على بلادهم
ثانيا استحلال الحرمات
فقبل وقوع الفتن الناس يكونون في مأمن على دمائهم وأموالهم وأعراضهم لكن عنما تقع الفتن يستحل الناس الدماء وتصبح الدماء رخيصة ويستهين الناس بحرمتها مع أن أشد وعيد في القرآن هو وعيد القتل والمسلم لايزال في فسحة من دينه مالم يصب دما حراما فإذا أصاب دما حراماً فقد أوقع نفسه في ورطة من الورطات لا مخرج له منها وأول ما يقضي الله فيه يوم القيامة الدماء ونظر النبي يوما إلى الكعبة فقال ما أعظمك وما أعظم حرمتك ولحرمة المؤمن أعظم عند الله منك وقال لزوال الدنيا أهون على الله من إراقة دم امرئ مسلم
فنظراً لأن وقوع الفتن يترتب عليه استحلا الحرمات لذلك النبي صلى الله عليه وسم أمرنا باعتزال الفتن فقال ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي فكلما كنت بعيدا كلما كان أفضل وقال صلى الله عليه وسلم:0يوشك أن يكون خير كسب المؤمن غنمات يرعى بها حول الجبل يفر بدينه من الفتن حتى لا يشترك فيها ويتحمل دماء يسأل عنها بين يدي رب الأرض والسماء
ثالثا عقوبات سماوية من رب البرية
فقال صلى الله عليه وسلم:(يا معشر المهاجرين خمس إن ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلاهم الله بالأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بشدة المئونة وجور السلطان ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا جعل الله بأسهم بينهم ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم
فكل هذه العقوبات سببها فتنة حب المال وحب الملك وعدم تحكيم شرع الله ونقض عهد الله وعهد الرسول فترتب على ذلك وقوع العقوبات السماوية لذلك الواجب عند وقوع الفتن التوبة والرجوع إلى الله ودعاءه أن يرفع البلاء فليس لها من دون الله كاشفة(1)
(1)خطبة أسباب الفتن وأنواعها وآثارها للشيخ الدد

