
خطبة عن رزق الطير
لماذا ضرب لنا النبي مثلا بالطير في تيسير الحصول على الرزق
روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا ) وإنما ضرب النبي مثلا بالطير لأن الله ييسر الرزق للطيور لعدة أسباب
أولها صدق اعتمادها وتوكلها على الله فالطيور قلبها مملوء ثقة ويقين في أن رزقها بيد رب العالمين الطيور مملوءة يقين أنه لا يأتيها بالرزق إلا الله لذلك الله ييسر لها الرزق فلو تحلينا بهذه الصفة ليسر الله لنا الرزق كما يسر للطيور لكن مشكلتنا أننا نعتمد على الأسباب وظننا أن الأسباب هي التي ترزق فالذي يفتح محل يظن أن محله هو الذي يرزقه والذي يتعلم صنعه يظن أن صنعته هي التي ترزقه والذي يحرث أرضا يظن أنها التي تدر عليه الرزق فكل هذا شرك عياذا بالله
فلا يملك الرزق إلا الله وهذه الأسباب تعمل بأمر الله فإن شاء أذن لها فعملت وإن شاء لم يأذن لها فلم تعمل فالشاهد أن الطيور ييسر الله رزقها بسبب صدق توكلها فحتى ييسر لنا كما ييسر لها يجب أن نصدق في اعتمادنا وتوكلنا كما تصدق الطير
ثانيا صدق التوكل من أهم أحد الأسباب التي من أجلها يُيسر الله الرزق للطيور أخذها بالأسباب فمع صدق توكلها إلا أنها لم تجلس في أعشاشها انتظارا للرزق وإنما خرجت وبحثت هنا وهناك وهنالك وهذا هو المفهوم الحقيقي للتوكل صدق اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب فالأخذ بالأسباب ، سنة النبي والتوكل على الله حال النبي فالنبي وهو سيد المتوكلين كان يأخذ بالأسباب فكان يقاتل بين درعين اتقاء للقتال وفي الهجرة ما ترك سببا إلا وأخذ به حتى يعلم أصحابه والأمة إلى يوم القيامة المفهوم الحقيقي للتوكل
فالشاهد أن الطيور ييسر لها الرزق بسبب صدق اعتمادها على الله مع الأخذ بالأسباب فحتى ييسر الله لنا كما ييسر الله لها فلابد أن نفعل فعلها
ثالثا القناعة هي من الأسباب التي من أجلها ييسر الرزق للطيور ، الطيور تريد فقط أن تملأ بطنها فإذا ملأت بطنها بالطعام عادت إلى عشها لتقضى يومها مع أفراخها لا تنافس أحدا على ما ليس لها ولا تطمع في حق غيرها لذلك ييسر الله لها الرزق فلو تحلينا بهذه الصفة ليسر الله لنا الرزق كما يسر لها ولجائتنا الدنيا راغمة كما وعد نبينا فقد قال صلى الله عليه وسلم :(من أصبح والأخرة همه جمع الله عليه شمله وجعل الله غناه في قلبه وأتته الدنيا وهى راغمة)
وقال صلى الله عليه وسلم: من أصبح ءامنا في سربه معافا في بدنه عنده قوت يومه فقد حيزت له الدنيا بحذافيرها أي كأنه ملك الدنيا جميعا
رابعا إستغلال وقت البكور من أهم الأسباب التي من أجلها ييسر الله الرزق للطيور فبمجرد أن يبزغ نور الفجر تخرج الطيور تبحث عن رزقها فهذا سبب من أجله ييسر الله ويبارك الله لها
فلو تحلينا بهذه الصفة واستيقظنا لاستغلال وقت البكور ليسر الله لنا الرزق ولبارك الله لنافيه فلقد دعا النبي لأمته أن يبارك الله لها في بكورها وكان النبي إذا بعث سرية كان يبعثها وقت البكور وكان السلف إذا خرجوا بتجارة خرجوا وقت البكور فيبارك الله لهم وتفيض أموالهم
فما أجمل أن نبدأ يومنا بصلاة الفجر في جماعة نكون في ذمة الله وضمانه ثم نستغل وقت البكور في عبادة العزيز الغفور فهذا سبب لانشراح الصدر وطمأنينة القلب قال تعالى وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى
فالذي يستغل وقت البكور ييسر الله له رزقه ويبارك له فيه كذلك من الأسباب التي من أجلها ييسر رب الأرباب الرزق للطيور: أنها تحنو على الضعفاء من جنسها ومن غير جنسها
قال أحد الصالحين : كنت واقفا تحت نخلة رطبة فيها رطب وبجوارها نخلة يابسة ليس فيها رطب قال فوجدت الطيور تأخذ من النخلة الرطبة وتضع فوق اليابسة قال فتعجبت لأن الطيور لا تعشعش فوق النخل قال فصعدت فوق النخلة اليابسة فوجدت حية عمياء والطيور تأتيها بالرطب وتضعه في فمها فانظر وتأمل لما حنت الطيور على الضعفاء من الدواب والحيوانات التي لا تستطيع أن تسعى وتحصل على رزقها لذلك يسر الله لها الرزق
فلو تحلينا بهذه الصفة وساعدنا الضعفاء من الأرامل والمساكين والفقراء فهذا سبب من أسباب تيسير الرزق قال النبي إنما تنصرون وترزقون بضعفاء كم وقال جلا جلاله من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة
وقال النبي ثلاثة أقسم عليهن وهو الصادق الذي لا يحتاج إلى قسم قال ما نقص مال من صدقة([1])
الخطبة الثانية
نظرا لأن قضية الرزق تشغل بال كثير من الناس لذلك هناك عدة أمور لابد من معرفتها عن قضية الرزق
أولا أن مفهوم الرزق ليس قاصر على المال إنما المال أحد أنواع الرزق والمفهوم الحقيقي للرزق هو كل ما تقوم به حياة الكائنات الحية من مقومات فالإيمان بالله رزق وحب النبي رزق وحب الصحابة رزق وحب الطاعة وبغض المعاصي رزق والزوجة الصالحة رزق والأولاد البارين رزق والجار الصالح رزق إلى غير ذلك من أنواع الرزق
ثانيا كذلك من الأمور الهامة التي ينبغي معرفتها عن قضية الرزق :أن من وسع الله عليه في المال فهذا ليس معناه أن الله يحبه وليس معنى أن يضيق الله على عبد في المال فليس معنى ذلك أن الله يبغضه فلو كان التوسعة في المال دليل على محبة الله فهل كان الله يحب قارون حينما أعطاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة
ثالثا ولو كان الحرمان من المال دليل على السخط فهل كان الله ساخط على نبيه محمد حينما كان يمر به الهلال تلو الهلال ثلاثة أهله ولا يوقد في بيته نار وإنما كانوا يعيشون على التمر والماء ولما جاءت المرأة ببناتها إلى بيت عائشة تريد شيئا صدقة فلم تجد عائشة غير تمرة فأعطتها للمرأة فقسمتها بين ابنتيها فانظر بيت النبي ليس فيه غير تمرة
فكل هذا دليل على أن عطاء الدنيا ليس دليل على المحبة والحرمان من الدنيا ليس دليل على السخط إنما الدليل الحقيقي على محبة الله وسخطه هو عطاء الدين فمن رزقه الله الدين فهذا دليل على أن الله يحبه ومن حرمه الله الدين فهذا دليل على أن الله يبغضه قال النبي إن الله يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب ولكنه لا يعطى الدين إلا لمن أحب ومن الأمور الهامة التي يجب معرفتها في قضية الرزق أن أسباب الرزق تنقسم إلى أسباب مادية وأسباب دينية
الأسباب المادية يشترك فيها المؤمن والكافر فمن أخذ بها رزق لأن الله أعطى الأسباب للمؤمن والكافر فمن أخذ بها أفلح ونجح لكن الله مع المؤمن فالله هو الذي أوجد الكافرين في الدنيا فمن عدله أن ييسر لهم سبل العيش فيها
الأسباب الدينية وهذه الأسباب بكل أسف كثير من المسلمين لا يأخذون بها فمن هذه الأسباب : الاستغفار قال العزيز الغفار على لسان نوح فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفار يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا مالكم لا ترجون لله وقارا وقال هود لقومه :ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم وقال لنا نبينا محمد : من لزم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب
صلة الرحم قال النبي من أحب أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه
تقوى الله فمن خاف الله وابتعد عن محارمه جعل الله له من كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب أما من تخطا محارمه جلا جلاله فهذا سبب للحرمان من الرزق لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لك يمطروا
وقد تمطر السماء شفقة ورحمة من الله بباقي الكائنات لكن بسبب معاصي بني أدم فإن الله يمنع ألأرض أن تخرج ثمرتها وبركتها قال النبي ليس الجدب ألا تمطروا ولكن الجدب أن تمطروا وتمطروا ولكن لا تنبت الأرض فالمعاصي سبب للحرمان من الرزق وقال النبي ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا ابتلاهم الله بشدة المئونة وجور السلطان عليهم فكل هذا يدل على أن تقوى الله والبعد عن محارمه سبب من أسباب تيسير الرزق وأن تخطي محارم الله سبب من أسباب الحرمان من الرزق
التفرغ للعبادة قال الله في حديثه القدسي : يا بن أدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأملأ يدك رزقا وأسد حاجتك وإلا تفعل ملأت يدك شغلا ولم أسد حاجتك
والمقصود بتفرغ لعبادتي أي لا تجعل العمل يشغلك عن الطاعة والعبادة لأن العبادة هي الأصل في حياتنا فنحن ما خلقنا إلا من أجلها فيجب أن تكون العبادة هي الأصل والعمل على الهامش لكن بكل أسف جعلنا العمل هو الأصل والعبادة على الهامش فنحن إذا أدينا ما خلقنا من أجله وهى العبادة أدى الله لنا ما ضمنه لنا وما وعدنا به وهو الرزق ، جاء رجل يشكو الغلاء لأحد الصالحين فقال والله لا أبالى ولو كانت حبة القمح بدرهم فهو أمرني بعبادته ووعدني برزقه فعلى أن أعبده كما أمرني وعليه أن يرزقني كما وعدني([2])
[1] )من خطبة رزق الطير للدكتور محمد بن عبد الله بن إبراهيم السحيم
[2] )من خطبة الرزق ثمرة التوكل للشيبخ محمد حسان

