الحكمة معناها وطرق الحصول عليها ومواطنها

الحكمة معناها وطرق الحصول عليها ومواطنها

 

معنى الحكمة

إن من أجل نعم الله على عبده نعمة الحكمة قال تعالى يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا فالحكمة نعمة جليلة لأن عواقبها خير وفقدانها نقمة لأن عواقب الطيش والعجلة وخيمة

الحكمة هي فعل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي ومن معانى الحكمة التأني وعدم العجلة فالإنسان من صفاته أنه يستعجل يريد الأمور بسرعة لكن من تغلب على هذه الصفة بالتأني وعدم العجلة كانت عواقب أقواله وأفعاله كلها خير ومن ترك نفسه لهذه الطبيعة وهى العجلة والسرعة كانت عواقب أقواله وأفعاله كلها شر

طرق الحصول على الحكمة

الحكمة نوعان منها ما هو وهبي من الله مباشرة لعبده وهذا النوع من الحكمة يمن الله به على من يشاء من عباده قال تعالى يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وهذا النوع من الحكمة حتى نحصل عليه لابد من التقوى والبعد عن المحارم فمن حفظ جوارحه عن معاصي الله أعطاه الله نورا وبصيرة بها يعرف حقائق الأمور وخفاياها التقى يرى بنور الله التقى ليس سطحيا يرى ظاهر الأمور وإنما عنده من النور ما به يعرف عواقب الأمور لا ينظر تحت قدمه وإنما عنده بعد نظر بسبب تقواه لربه التي جعلت له هذا النور وهذه البصيرة لذلك التقى تراه يتكلم بالحكمة ويتصرف تصرفات كلها حكمة  بسبب تقواه لربه التي من ثمارها الفرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال قال تعالى :(يا أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا) أي تفريقا بين الحق والباطل

ومن ثمارها النور الذي يقذفه الله في قلب من يتقيه قال تعالى:(يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم)

الحكمة المكتسبة

وهذا النوع من الحكمة يأتي عن طريق تجارب الحياة ومجالسة الحكماء والعلماء فتجارب الحياة ومواقفها تكسب الإنسان الحكمة فإذا عرضت له مواقف مشابهة استطاع أن يتصرف فيها تصرفا فيه حكمة ولذلك كلما عاش الإنسان ومرت عليه الليال والشهور والسنون كلما ازداد حكمة وإذا جالست من تجاوز الخمسين أو الستين تأخذ منه الحكمة أكثر من مجالسة من هو في العشرين أو الثلاثين

كذلك من طرق اكتساب الحكمة مجالسة الحكماء والفقهاء والعلماء فهؤلاء كلامهم ذكر وصمتهم فكر فمن جالسهم تعلم الحكمة من أقوالهم وأفعالهم فالصاحب ساحب والمرء على دين خليله والناس مجبولون على مشابهة بعضهم البعض فالصحابة لما صحبوا النبي كانت كل أقوالهم وأفعالهم فيها حكم لنا ودروس ومواعظ وكذلك التابعين لما صحبوا الصحابة أخذوا منهم الحكمة فكانت أقوالهم وأفعالهم كلها حكم لنا ودروس ومواعظ

مواطن الحكمة

من المواطن التي نحتاج فيها إلى الحكمة الدعوة إلى الله فالداعي إلى الله إذا لم يتحلى بالحكمة سيضر وهو يريد أن ينفع وسيفسد وهو يريد أن يصلح وسينفر وهو يريد أن يقرب لذلك كان من الواجب على الداعي أن يتحلى بالحكمة ومن الحكمة في الدعوة إلى الله أن يختار الكلام المناسب للأشخاص المناسبين وفي الوقت المناسب فليس من الحكمة أن يكون شخص مشرك لا يؤمن بالله ثم نكلمه عن الصلاة وعن الصوم وإنما من الحكمة أن ندعوه إلى الإسلام أولا ونتكلم معه عن توحيد الله والإيمان به ثم نكلمه عن الصلاة والصوم والأوامر والنواهي

ومن الحكمة في الدعة إلى الله أن نصوغ النصائح في عبارات جميلة ومهذبة وسياق مناسب لا تكون النصيحة عبارة عن أوامر مباشرة وإنما تكون النصيحة في صيغة سؤال ما رأيك لو فعلت كذا أو تكون في صيغة خبر بطريق غير مباشر لقد سمعت إمام المسجد يقول كذا وكذا وذلك لأن النصيحة ثقيلة على النفس فمثلها كمثل الدواء فالدواء نظرا لأنه مر لذلك يقوم من يصنعه بوضعه في أقراص جيلاتينية حتى تقبلها النفس كذلك النصيحة تحتاج أن تلف في ألفاظ جميلة وعبارات رقراقه وسياق مناسب

انظر إلى نصيحة الحسن والحسين للرجل الكبير الذي وجداه يتوضأ خطأ لم يقولا له أنت تتوضأ خطأ والصواب كذا فلن يقبل وإنما قال له احدهما يا عم إن أخي يزعم أنه يتوضأ أحسن منى فسنتوضأ أمامك وانظر من منا الذي لا يحسن الوضوء فتوضأ الحسن فأحسن الوضوء ثم توضأ الحسين فأحسن الوضوء فهنا أدرك الرجل خطأه فقال كلاكما يحسن الوضوء وأنا الذي لا أحسن الوضوء

كذلك من المواطن التي نحتاج فيها إلى الحكمة الألفاظ والكلمات

فالألفاظ والكلمات إذا خلت من الحكمة سيترتب عليها شر كبير فكلمة قد تفسد العلاقة بين زوجين وتخرب أسرة وتطلق امرأة وتشرد أولاد كلمة قد تفض شراكة بين شخصين وتحول مودتهما إلى عداوة وبغضاء لذلك حذرنا النبي من الكلمة وبين أن الإنسان قد يتكلم كلمة لا يلقى لها بال يهوى بها خرفا في النار فالكلمة ليست هينة لذلك ليس شيء على وجه الأرض أحوج إلى طول سجن من اللسان ونظرا لخطر اللسان فإن الله جعل له قفلين قفل خلقي وقفل شرعي القفل الخلقي الأسنان والشفتين والقفل الشرعي قوله تعالى ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد

فالألفاظ يجب أن تتحلى بالحكمة حتى يفكر الإنسان أولا قبل أن يتكلم وحتى ينظر في عواقب الكلام فإن ترتب عليه خير تكلم وإن ترتب على كلامه شر أمسك عن الكلام وهذا هو قول النبي من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت فمن صمت نجا ولقد ضرب لنا السلف أروع الأمثلة في تحليهم بالحكمة في أقوالهم فهذا عمر يقول جالسوا من ينتقون كلماتهم كما تنتقى الفواكه فكما أن طبق الفاكهة إذا وضع أمام الناس فإنهم ينتقون منه ما يحبونه ويشتهونه كذلك ينبغي أن يفعل عند التكلم لابد من اختيار الكلمات والألفاظ قبل التكلم

مر عمر رضى الله عنه يوما على أشخاص يشعلون نارا فقال السلام عليكم يا أهل لم يقل يا أهل النار وإنما قال يا أهل الضوء ولما سئل العباس أنت أكبر أم النبي قال هو أكبر منى ولكنى ولدت قبله ولما سئل خليفة صبيا عن جمع سواك لم يقل مساويك حتى لا ينسب السوء إلى الخليفة وإنما قال محاسنك يا أمير المؤمنين

الخطبة الثانية

كذلك من المواطن التي نحتاج فيها إلى الحكمة التعامل مع الناس فكثير من الناس بسبب عدم تحليه بالحكمة كثيرا ما يحدث خلاف بينه وبين زوجته وكثيرا ما يحدث مشاكل بينه وبين جيرانه وزملاءه في العمل والناس في المواصلات كل هذا بسبب عدم التحلي بالحكمة وعدم فهم طبائع الناس

فمن الحكمة أن تتعامل مع الناس على أنهم مختلفون ليس على طبيعة واحدة أو سلوك واحد حتى أبناء البطن الواحدة وحتى التوأم بينهم خلافات هذه طبيعة في الناس لكن أن تنتظر من الناس أن يكونوا على هواك وعلى مزاجك وعلى ما تريده فستحدث الخلافات

ومن الحكمة في التعامل مع الناس أن تتعامل معهم على أنهم ليسوا كاملين فالكمال لله وحده أما باقي المخلوقات ففيها نقص وعيب أنت فيك نقص وعيوب وأنا في نقص وعيب فليس من الحكمة أن تتنظر أن تكون زوجتك كاملة فمن أراد زوجة بلا عيوب عاش بلا زوجة وليس من الحكمة أن تنتظر صديقا بلا عيوب فمن أراد صديقا بلا عيوب عاش بلا أصدقاء

كذلك من الحكمة في التعامل مع الناس المداراة والتركيز على نقاط القوة وعدم التركيز على النقائص والعيوب والمراد بالمدارة أن تنظر إلى الصفة التي يحبها من أمامك وتنميها له وتحدثه من خلالها فبذلك تكسب حبه ومودته ويفتح لك قلبه ويقبل نصائحك وتوجيهاتك وهذا ما فعله النبي يوم فتح مكة عندما قال له العباس إن أبا سفيان رجل يحب الفخر فدخل النبي لأبي سفيان من هذا المدخل واستغلها النبي في كسب مودته فلما كان البيان العسكري أعلن النبي فيه فقال من دخل دار ابي سفيان فهو آمن وهل معقول أن دار أبي سفيان ستتسع لكل هذا العدد القادمون من المدينة فقط عشرة آلاف غير أهل مكة إذا العدد كبير جدا وليس من المعقول أن تسعهم دار أبي سفيان ولكن كان هدف النبي من ذلك هو مدارة أبي سفيان وكسب مودته والدخول إلى قلبه من هذا المدخل

ثم قال بعدها ومن دخل بيته فهو آمن فمن العقل والحكمة أن يذهب كل إنسان إلى بيته ولا يزحم نفسه في دار أبي سفيان فالشاهد أن من الحكمة فى التعامل مع الناس المداراة وكذلك من الحكمة عدم التركيز على نقاط الضعف عند الناس وإنما استغلالها في كسب مودتهم فهذا ابن مسعود لما سمع المغنى زاذان يغنى بصوت جميل قال ابن مسعود نعم الصوت لوكان في قراءة كتاب الله فلما وصلت هذه الكلمة إلى زاذان أسلم وتاب وحسنت توبته

ولما جاء أخو خالد بن الوليد إلى النبي فقال له النبي أنا أعلم أن خالد عاقل وسيأتي به عقله إلى الإسلام فلما بلغت خالد هذه المقولة تاب وأسلم

كذلك من المواطن التي نحتاج فيها إلى الحكمة (قضاء الحوائج)

فمن الحكمة في قضاء الحوائج كتمانها حتى تقضى كان النبي إذا خرج لغزوة ورى بغيرها وقال استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإن كل ذي نعمة مغبون وهذا ما أمر به يعقوب يوسف عندما رأى الرؤيا فقال له يا بنى لا تقصص رؤياك على إخوتك  فيكيدوا لك كيدا

فمن الحكمة أن تكتم حاجتك ولا تعلنها للملأ لأنه كما أنه يوجد من يحبك فيوجد من يبغضك كما يوجد من يحب لك الخير فيوجد من يكره لك الخير كما يوجد المؤمن الذي يرى النعمة فيدعو بالبركة فهناك غير المؤمن الذي يرى النعمة ويتمنى زوالها

وهذا الأمر يقع فيه كثير من النساء إذا جلست مع أمها أو أختها أو قريبة لها أو جارتها حكت لها عن كل أسرار البيت فليس هذا من الحكمة فهناك أمور تحكى وهناك أمور تطوى فهذه القريبة التي تحكين لها وتخبريها زوجي أتى لي بكذا وكذا واشترى كذا وكذا وفعل كذا وكذا قد تكون هذه القريبة محرومة من هذا فيتغير قلبها على زوجها وتفسد العلاقة بينهم وتحسدك على ما عندك فيحدث الخلاف بينك وبين زوجك بسبب العين

ونحن في زماننا هذا ابتلينا بالفيس بوك الذي أصبحت كل أسرار البيوت تنشر عليه من يخرج إلى رحله يصور الرحلة ويصور سعادته وسعادة زوجته وأولاده وينشر على الملأ وقد سئل لص كيف عرفت أن الأسرة مسافرة قال من الفيس بوك   لأن أصحاب البيت يكتبون كل تحركاتهم وينشرونها ها نحن ركبنا الطائرة ها نحن نزلنا ها نحن نفعل كذا وكذا فكل هذا دليل على عدم وجود الحكمة

لأنه إذا كان هناك من يحب لك ذلك فهناك من يكره ومن يشترى بيت يصور وينشر هذا بيتي الجديد ومن يشترى سيارة ومن يشترى هاتف فمن الحكمة كتمان الحوائج حتى تقضى لأن العين حق كما قال النبي صلى الله عليه وسلم([1])

 

[1] ) يؤتي الحكمة من يشاء موقع الراشدون

CATEGORIES
TAGS
Share This